الماجدة العراقية … مدرسة في الصبر
محمد علي الراضي
في مناسبة عيد الماجدة العراقية، لا أجد القلم إلا مطأطئ الرأس أمام سيرةٍ لو كُتبت بمداد الرافدين، دجلة والفرات، لنفدا قبل أن تنفد معانيها، ولو سُطِّرت بأنفاس الزهر لذبل الزهر قبل أن يفي بعطرها.
هي الماجدة العراقية… تلك التي ما عرفت من الحياة ظلًّا وادعًا إلا وسُلبته، ولا عرفت من الفرح قبسًا إلا وخُطف من بين يديها، ومع ذلك بقيت واقفةً كالنخلة في قيظ تموز، تضرب جذورها في عمق الأرض، وترفع رأسها إلى السماء، لا تنحني لعاصف، ولا تنكسر لريح.
أخي العربي، إذا أردت أن تقرأ ملحمة العراق فاقرأها في وجه امرأة، وإذا أردت أن تسمع نشيد الصبر فأنصت إلى قلب أمٍّ عراقية، فقد عرفت هذه الأرض في تاريخها الطويل أبطالًا وفرسانًا، ولكنها عرفت أيضًا نساءً كنَّ في الشدائد أرسخ من الجبال، وأصدق من السيوف، وأمضى من الرماح.
حين نذكر صمود الماجدة العراقية في القادسية الثانية، تقف أمامنا صورة الخنساء، تلك الشاعرة التي قدّمت أبناءها شهداء في القادسية الأولى، ولم تذرف دمعة ضعف، بل قالت كلمتها التي خلدها التاريخ: (الحمد لله الذي شرّفني باستشهادهم).
ولئن كانت الخنساء قد قدّمت أربعة من فلذات كبدها، فإن أمَّهات العراق في القادسية الثانية قدّمن قوافل من الأبناء، لا واحدًا ولا اثنين، بل جيلًا بعد جيل. خرج الابن إلى الجبهة، وبقيت الأم عند باب الدار، لا تبكي أمامه كي لا يضعف قلبه، ولا ترتجف يدها وهي تزفّه إلى الميدان، كأنها تزفّه إلى عرس مجيد.
كانت الماجدة العراقية يومها نصف الجبهة بل روحها. هي التي خبزت للجنود، وداوت الجراح، وسهرت على الرسائل، واحتضنت اليُتم قبل أن يولد، وعاشت انتظارًا لا ينتهي بين طرقات البريد وأصوات المذياع. فإذا جاءها نبأ الاستشهاد، ضمّت المصحف إلى صدرها، ومسحت دمعتها بكمّها، وقالت: هذا درب الرجال، وهذا قدر العراق.
لم تكن تلك تضحيات عابرة، بل كانت عقيدة صبر، وإيمانًا بأن الأوطان لا تُصان إلا بدمٍ يُراق، ودمعٍ يُكتم، وقلبٍ يُضحّى به في صمت.
وفي صفحات المعارك، لم تكن المرأة ظلًا بعيدًا، بل كانت حضورًا حيًّا. نستذكر خولة بنت الأزور، تلك الفارسة التي خلدها التاريخ، فإذا بنا نرى في بنات العراق صورة أخرى لذات الروح.
وفي ميسان، خرجت بطلة سُمِّيت بين الناس بـ(تسوأهن)، حتى صارت رمزًا للشجاعة النسوية، وكأنها خولة هذا العصر. لم تحمل السيف على صهوة جواد كما في صدر الإسلام، ولكنها حملت بندقية وإرادة لا تقل مضاءً، ووقفت في ميادين الشرف تثبت أن المرأة العراقية لا تقل عزيمةً عن الرجل، بل قد تسبقه حين يتردد.
إنها ليست حكاية فردٍ بعينه، بل حكاية جيل من النساء اللواتي اقتحمن ميادين العمل والخدمة والإسناد، وكسرن الصورة التقليدية للمرأة المنكفئة، وأثبتن أن الشجاعة لا جنس لها، وأن البطولة لا تُقاس بالهيئة بل بالفعل.
ثم جاء زمن الحصار… ثلاثة عشر عامًا كانت كأنها ثلاثة عشر قرنًا.
انطفأت الكهرباء، وغاب الدواء، وشحّ الغذاء، وتحوّلت البيوت إلى قلاع صبر، وكانت الماجدة العراقية هي الحارس الأخير لتلك القلاع. هي التي قسّمت الرغيف إلى أربعة، وجعلت من القليل كثيرًا، ومن الندرة وفرة، ومن الألم أملًا.
كانت تبيع حُليَّها لتشتري دواءً لطفلها، وتخفي جوعها لتُشبع صغارها، وتخيط من الثوب الواحد أثوابًا، وتزرع في سنادين الشرفات ما يسدّ الرمق. كم من أمٍّ سهرت الليل تحرس حمى بيتها، وكم من فتاةٍ حملت مسؤولية أسرة كاملة بعد أن أثقل المرض أو الفقر كاهل الأب.
في تلك السنوات العجاف، لم تكن الماجدة العراقية ضحية فحسب، بل كانت صانعة بقاء. لولاها لانهارت أسر، وتفككت بيوت، وضاع جيل كامل. لكنها وقفت كالسدّ، تمتصّ الصدمة تلو الصدمة، وتمنع السيل من اجتياح الداخل.
ثم جاءت سنة 2003، فدخل العراق طورًا جديدًا من الألم، بين احتلال أمريكي معلن، ونفوذ إيراني متغلغل أشد فتكا، وبينهما شعب يتقلب على جمر التحولات.
وفي خضمّ هذا الاضطراب، كانت الماجدة العراقية مرة أخرى في قلب المشهد. هي التي واجهت التفجيرات، والنزوح، وفقدان الأمن، وتبدّل القيم، وهي التي احتملت ثقل الانقسام والقلق على مستقبل أبنائها.
رأيناها في المخيمات، تحمل طفلًا بيد، وحقيبة الذكريات باليد الأخرى. ورأيناها في دوائر الدولة، والمدارس، والمستشفيات، تواصل العمل رغم الخطر. ورأيناها أمًّا لشهيد، وأختًا لمغيب، وزوجةً لمفقود، ومع ذلك لم تفقد إيمانها بأن العراق سينهض من كبوته.
إنها لم تطلب وسامًا، ولم تنتظر خطابًا، بل أدّت واجبها كما تؤدي الشمس إشراقها: بصمت، وبلا منٍّ ولا أذى.
وفي عيد الماجدة العراقية، لا نقف أمامها لنمنّ عليها بتهنئة، بل لنستأذنها أن تقبل منا كلمة وفاء.
يا ابنة الرافدين، يا من حملتِ الوطن في قلبكِ كما تحمل الأم رضيعها، ويا من صبرتِ حتى صار الصبر بعضًا من اسمكِ، لكِ منا تحية إجلال وإكبار.
لقد كنتِ في القادسية الثانية أمَّ الشهيد، وفي الحصار أمَّ الحياة، وفي زمن الاحتلال أمَّ الثبات، وفي كل زمنٍ أمَّ العراق.
إن تاريخ الأمم لا يُكتب فقط بقرارات الساسة وخطب القادة، بل يُكتب أيضًا بدموع الأمهات، وعرق العاملات، وصبر الزوجات، وبطولة الفتيات. وأنتِ يا ماجدة العراق سطرٌ خالد في هذا السفر، لا يبهت حبره، ولا تمحوه السنون.
فليكن عيدكِ هذا العام وقفة تأملٍ فيما صنعتِ، وعهدًا بأن يبقى اسمكِ عاليًا في جبين الوطن.
سلامٌ عليكِ يوم ولدتِ في أرض الحضارات، وسلامٌ عليكِ يوم صبرتِ فكنتِ مدرسةً في الصبر، وسلامٌ عليكِ يوم يُكتب التاريخ فينحني إجلالًا لاسمكِ بين الأسماء.
كل عامٍ وأنتِ للعراق روحُه التي لا تموت، وقلبُه الذي لا يخون، وسنده الذي لا ينهار.