الاتحاد العام لنساء العراق… فكرٌ ونضال
فاطمة حسين
بمناسبة يوم المرأة العراقية وذكرى تأسيس الاتحاد العام لنساء العراق..
في الرابع من آذار من كل عام، تستحضر الذاكرة الوطنية محطةً مضيئة من محطات النضال النسوي في العراق، يوم تأسيس الاتحاد العام لنساء العراق عام 1969، بوصفه إطارًا تنظيميًا حمل همّ المرأة العراقية ودافع عن حقوقها وكرامتها، وكرّس حضورها في ميادين العمل الوطني والاجتماعي. لم يكن تأسيس الاتحاد حدثًا تنظيميًا عابرًا، بل تعبيرًا عن وعيٍ متقدّم بدور المرأة كشريكة أصيلة في صناعة المجتمع وبناء الوطن، وصوتٍ لا يمكن تهميشه أو إقصاؤه.
لقد نشأ الاتحاد في سياقٍ تاريخي اتسم بتحديات سياسية واجتماعية كبيرة، فجاء حاملًا فكرًا تقدّميًا يضع قضايا المرأة في قلب المشروع الوطني، ويربط تحرّرها بتحرّر المجتمع بأسره من التخلف والظلم والتمييز. ومنذ بداياته، سعى الاتحاد إلى رفع مستوى الوعي بحقوق النساء، والدفاع عن حقّهن في التعليم والعمل والمشاركة العامة، ومناهضة أشكال الاستغلال والعنف والإقصاء، واضعًا نصب عينيه هدف بناء مجتمع عادل تتكافأ فيه الفرص وتتكرّس فيه الكرامة الإنسانية.
وعلى امتداد العقود الماضية، ظلّ الاتحاد العام لنساء العراق حاضرًا في مفاصل الحياة العامة، متفاعلًا مع التحوّلات العميقة التي مرّ بها البلد، ومواكبًا لمعاناة النساء في ظل الحروب والحصار والنزوح والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
لقد كانت المرأة العراقية في قلب هذه التحوّلات، تتحمّل أعباءً مضاعفة داخل الأسرة والمجتمع، وتدفع أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها وحقوقها الأساسية، ومع ذلك بقيت محافظة على دورها في التربية والعمل والرعاية والصمود، ومواصلة المشاركة في الشأن العام بقدر ما تتيحه الظروف.
إن الفكر الذي تأسّس عليه الاتحاد يقوم على الربط العضوي بين حقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، وعلى اعتبار تمكين النساء شرطًا لازمًا لأي نهضة حقيقية. فالمجتمع الذي يُقصي نصف طاقته البشرية محكومٌ عليه بالتعثّر، بينما المجتمع الذي يفتح المجال أمام النساء للمشاركة الفاعلة في التعليم والعمل وصنع القرار يضاعف فرصه في التنمية والاستقرار. من هنا، لم يكتفِ الاتحاد بالخطاب الحقوقي العام، بل انخرط في العمل الميداني والتوعوي والتنظيمي، سعيًا لتحسين شروط حياة النساء، ومساندتهن في مواجهة العنف والفقر والأمية والتهميش.
وفي يوم المرأة العراقية وذكرى تأسيس الاتحاد، لا بدّ من التوقّف عند واقع المرأة اليوم بما يحمله من تحدّيات جسيمة؛ من تفاقم العنف الأسري والمجتمعي، وتراجع الأمان الاقتصادي، وضعف منظومات الحماية الاجتماعية والقانونية، وتضييق مساحات المشاركة في الشأن العام. غير أنّ هذا الواقع القاسي لا يلغي حقيقة أخرى موازية، هي قدرة المرأة العراقية على الصمود وإعادة بناء ذاتها وأسرتها ومحيطها الاجتماعي في أحلك الظروف، وعلى تحويل المعاناة إلى طاقة للعمل والأمل، كلما توفّرت لها مساحات الدعم والتنظيم والتضامن.
إن استذكار مسيرة الاتحاد العام لنساء العراق اليوم ليس مجرّد احتفاء بالماضي، بل دعوة عملية لتجديد العهد مع مبادئ الفكر والنضال التي قام عليها: الدفاع عن الكرامة الإنسانية للمرأة، توسيع حقوقها القانونية والاجتماعية، تمكينها اقتصاديًا، وحمايتها من كل أشكال العنف والتمييز.
كما أنّه تذكيرٌ بمسؤولية الدولة والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في توفير بيئة داعمة لحقوق النساء، وتحويل الالتزامات المعلنة إلى سياسات وإجراءات ملموسة على الأرض.
ختامًا، يبقى الاتحاد العام لنساء العراق رمزًا لفكرةٍ مفادها أن نضال المرأة ليس شأنًا فئويًا أو هامشيًا، بل هو جزء لا يتجزّأ من نضال المجتمع من أجل العدالة والحرية والكرامة.
وفي هذه الذكرى، تتجدّد المسؤولية الأخلاقية والوطنية لمواصلة الطريق، والعمل بإصرارٍ وصبرٍ ومطاولة، حتى تنال المرأة العراقية حقوقها كاملة، ويسهم حضورها الحرّ والفاعل في بناء عراقٍ أكثر عدلًا واستقرارًا وإنسانية.