الجوع سلاحا
أحمد صبري
مثلما تسبَّب الحصار الَّذي فرض على العراق في تسعينيَّات القرن الماضي بوفاة آلاف العراقيِّين، لا سِيَّما الأطفال جرَّاء شحِّ الدواء ونقص الغداء ومستلزمات الحياة فإنَّ التَّاريخ يعيد نفسه بأبشع صوره المأساويَّة في غزَّة الَّتي حوَّلتها الطّغمة الحاكمة في «إسرائيل» إلى مسرح يتفنن رموزه بقتل أبناء غزَّة، مرَّة بتجويعهم، وتعطيشهم مرَّات، والهدف هو لكسر إرادتهم والنَّيل من كرامتهم وصمودهم الأسطوري. فما جرَى لأطفال العراق يجري اليوم لأطفال غزَّة؛ لأنَّ القاتل والمنفِّذ هو نفسه، في محاولة لتقريب الصورة والهدف للعالَم الَّذي بدأ يستيقظ من هول الجرائم الَّتي ترتكب في غزَّة، لا سِيَّما استخدام التَّجويع سلاحًا لمُجرِمي الحرب. لقد باتَ واضحًا أنَّ ضحايا سلاح الحصار والتَّجويع الَّذي يحصد يوميًّا أرواح الأطفال، وأنَّ القدور الفارغة أصبحتْ وصمة عار في جبِينِ الإنسانيَّة وشاهدًا حيًّا على المجازر الوحشيَّة الَّتي ترتكبها آلة الحرب «الإسرائيليَّة» تتطلب وقفةً جادَّة لمنعِ استمرارها وكشف النيَّات الصهيونيَّة الَّتي ترمي إلى ابتلاع فلسطين وإنكار حقوق الشَّعب الفلسطيني المشروعة، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشَّريف. ولم تتورع «إسرائيل» من استمرار سياسة التَّجويع والعقاب الجماعي رغم اتساع دائرة الإدانة الدوليَّة، ورفض الأساليب الوحشيَّة بحقِّ أبناء غزَّة، إلَّا أنَّها وبدعمٍ أميركي تواصل إجرامها في القتل والتَّهجير القسري، وقضم الأراضي الفلسطينيَّة. ومهما حاولتْ «إسرائيل» التَّغطية على حمَّام الدَّم في غزَّة، فإنَّ المُجتمع الدولي باتَ يدرك حجم المأساة في غزَّة والضفَّة الغربيَّة، وما توالي اعتراف دول وازنة بالدَّولة الفلسطينيَّة إلَّا الدَّليل على عزلة «إسرائيل» وانتصارًا لحقِّ الشَّعب الفلسطيني في إقامة دولته القابلة للحياة. وما يُشير إلى عزلة «إسرائيل» سعيها لإنكار الحقوق المشروعة للشَّعب الفلسطيني، ومهما طال الزمن فإنَّ هذه الحقوق لا تسقط بالتقادم، وما صمود الشَّعب الفلسطيني بحقِّه في الحياة هو الدَّليل على تمسُّكه بحقوقه المشروعة الَّذي باتَ العالَم يُدرك حجم الجرائم الَّتي يرتكبها كيان الاحتلال الغاصب بالضِّد من إرادة المُجتمع الدولي الَّذي باتَ يشاهد الكارثة والمأساة الَّتي تتوالى فصولًا على أرض غزَّة وتحصد أرواح الآلاف من أبنائها. إنَّ ما يجري من حصار وتجويع وقتل يتطلب موقفًا عربيًّا ودوليًّا؛ لوقفِ مسلسل القتل الممنهج في محاولة لاقتلاع شَعب من أرضه وإنكار حقوقه الَّتي لا تقبل التفريط والمساوَمة. لقد آنَ الأوان لإيقاف العربة الصهيونيَّة الَّتي تهدف إلى ابتلاع كُلِّ فلسطين بالقوَّة وإنكار الحقوق التَّاريخيَّة. وما يجري في غزَّة هو شاهد على أطماع هذا الكيان الَّذي لم يرعوِ من رفض العالَم لسياسته العنصريَّة الَّتي أوقعتْ أفدح الخسائر بالشَّعب الفلسطيني. من هذا المشهد المروِّع في غزَّة الَّذي يتكرر يوميًّا يكشف حجم الكارثة الَّتي يتفنن بارتكابها أركان الكيان الصهيوني يتطلب جلبهم للعدالة الدوليَّة كمُجرِمي حرب لينالوا جزاءهم العادل من فرط تسبُّبهم ودَوْرهم بقتل وتشريد آلاف الفلسطينيِّين من أراضيهم في غزَّة ليكُونُوا عِبرة لغيرهم من مُجرِمي الحروب.
كاتب عراقي