مهزلة التعيينات الدبلوماسية في العراق: من منبر وطني إلى بوابة للمحاصصة والولاء الأعمى

 

مهزلة التعيينات الدبلوماسية في العراق: من منبر وطني إلى بوابة للمحاصصة والولاء الأعمى

الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

اتذكر جيدا المعايير التي كانت الدولة العراقية تعتمدها في ترشيح واختيار السفراء وكان غالبيتهم من اساتذة الجامعات العراقية الاكفاء جدا المشهود لهم بحبهم وولائهم للعراق واهله وحضارته وتراثه
اليوم تتكرر المأساة من جديد في ظاهرة اصبحت تلازم تعيين من هب ودب للعمل بالمسؤوليات الحكومية المهمة جدا ومنها العمل في السفارات العراقية منذ احتلال العراق وتستمر للأسف بشكل اكثر سوءا وأضرارا بسمعة العراق واهله
نعم ….لم تعد وزارة الخارجية العراقية تمثل الواجهة الحضارية للدولة كما كانت في الماضي، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مؤسسة تدار وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والحزبية، وتُوزّع مناصبها كغنائم سياسية على قوى ما بعد 2003، وعلى رأسها الأحزاب الموالية لإيران، وميليشيات الحشد الشعبي، والعوائل المرتبطة بالسلطة.

لقد أصبح منصب “السفير” (السفيه كما يطلق عليه العراقيون تندرا) يُمنح ليس لمن يملك الكفاءة والخبرة، بل لمن يُجيد فنون التملق السياسي، أو يحمل لقب “مجاهد في محور المقاومة”، أو يكون من “الذيول” الذين خدموا في غرف الأحزاب أو على منصات الإعلام الدعائي، حتى وإن كانوا لا يملكون أدنى مؤهل دبلوماسي أو ثقافي أو لغوي.

كان العراق قبل الاحتلال يُصدّر كفاءاته الدبلوماسية إلى العالم، من خلال رجال دولة حقيقيين مثّلوا العراق في المحافل الدولية بمهنية وسيادة واحترام. أما اليوم، فنرى سفراء لا يعرفون قواعد البروتوكول، ولا يتحدثون بلغة أجنبية واحدة، وبعضهم لا يفرّق بين مهمة السفير ومهمات المندوب الحزبي.

إنّ ما يجري هو إهانة لتاريخ العراق الدبلوماسي، وتفريغ كامل لمؤسسة الخارجية من مضمونها الوطني. والأخطر من ذلك، أن هذه التعيينات أدت إلى تراجع ثقة الدول الأخرى بالسفارات العراقية، وتفاقم ظواهر الفساد، والعبث بملفات منح الجوازات والتجنيس، وتحوّل بعض السفارات إلى مراكز استرزاق سياسي لا أكثر.

في الوقت الذي يعاني فيه العراق من أزمة هوية دولية، ومن تراجع حاد في حضوره الإقليمي والدولي، نجد أن البعثات الدبلوماسية عاجزة عن التعبير عن مصالح الشعب العراقي، أو الدفاع عن حقوقه في الخارج، لأن من يمثل الدولة اليوم لا يمثل سوى فئة حزبية أو تيار طائفي.

إن استمرار هذه المهزلة يعني ضياع ما تبقى من كرامة الدولة، ويستدعي وقفة وطنية حقيقية من كل الحريصين على مستقبل العراق. يجب إعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والخبرة في تعيين السفراء، وإنهاء هيمنة الميليشيات والعوائل السياسية على القرار الخارجي.

الدبلوماسية ليست وظيفة شكلية أو مكافأة ولاء، بل هي عنوان الدولة ومرآتها في العالم. وما لم تُصحّح هذه الانحرافات، فإن العراق سيبقى غائبًا عن ذاته، وصوته خافتًا في عالم لا يرحم الضعفاء ولا يُنصت للتابعين.