مكانة المرأة في ثورة 17 تموز الخالدة:
من التقاليد البالية إلى الريادة الحضارية
فاطمة حسين
حين انطلقت ثورة 17 تموز الخالدة، لم تكن مجرد انقلاب سياسي أو تغيير في قمة هرم السلطة، بل كانت ثورة اجتماعية شاملة غيّرت وجه العراق، وحررت فئات واسعة من الشعب من أغلال التخلف والتمييز، وفي مقدمتهم المرأة العراقية.
لقد عانت المرأة قبل الثورة من التقاليد العشائرية البالية، فكانت تُحرم من التعليم، ويُحجر عليها الخروج من بيتها، وتُختصر حياتها بين الجدران، لا يُسمع لها صوت في السياسة، ولا يُرى لها أثر في ميادين العمل والإبداع. كانت النظرة السائدة إلى المرأة أنها كائن تابع لا دور له إلا الإنجاب وخدمة العائلة، وحرمت من أبسط حقوقها الإنسانية والاجتماعية.
لكن مع مجيء ثورة 17 تموز، تغير كل شيء. فقد تبنّت الثورة مشروعاً حضارياً شاملاً للنهوض بالمجتمع، وكانت المرأة في قلب هذا المشروع. فشُرّعت القوانين التي تضمن لها المساواة، وتم دعمها لتأخذ مكانها في كل مفاصل الحياة. فأصبحت المرأة طبيبة ومهندسة وأستاذة جامعية ومعلمة، وبرزت كشاعرة وكاتبة وفنانة وممثلة وسياسية، وولجت جميع مجالات العمل والإبداع. لم تعد مجرد تابع، بل شريك فاعل في صناعة المستقبل، تمارس حقها في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، وتسهم في بناء الدولة الحديثة.
كان دعم المرأة نهجاً ثابتاً للدولة في تلك المرحلة، انطلاقاً من الإيمان بأن النهوض بالمجتمع لا يتم إلا بتحرير نصفه المكبّل. ولهذا، شهدت السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وإلى الاحتلال الامريكي الغاشم على العراق حضوراً نوعياً وكثيفاً للنساء في الوزارات، ومواقع القرار، والمؤسسات العلمية والثقافية، وحتى في صفوف القوات المسلحة والجيش الشعبي والدفاع عن الوطن بوسائل متعددة.
لكن، للأسف، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، تم تقويض كل هذا الإرث التقدمي. فقد جرى تهميش المرأة وإعادتها إلى الهامش الاجتماعي من جديد. حلّ الفكر الطائفي والرجعي محل الفكر الوطني والتقدمي، وتراجعت القوانين التي كانت تحمي حقوقها. ولم تكتفِ قوى الظلام بإقصاء المرأة، بل سعت إلى تيئسها، فتم تسليع جسدها وتحويلها إلى أداة لجذب الانتباه في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت موجة “البلوكرات” وبائعات الوهم والهوى، في مشهد لا يمثل المرأة العراقية الأصيلة التي أنجبت الابطال والعلماء والمناضلين.
إن مقارنة بسيطة بين مكانة المرأة في ظل ثورة 17 تموز وما آلت إليه اليوم، تكشف حجم التدهور والانحدار، وتدق ناقوس الخطر. فالمرأة اليوم تُقصى وتُهمّش، وتُستغل في إعلام هابط، وواقع اجتماعي يغيب عنه القانون والعدالة.
ختاماً، إن استعادة مكانة المرأة لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة الإعتبار للمشروع الوطني الذي آمن بها واحتضنها، ورفض كل أشكال التمييز والاستغلال. فنهج ثورة 17 تموز لم يكن يوماً مجرد ماضٍ يُذكر، بل هو مستقبل يجب أن نعود إليه لننقذ العراق من واقع الانهيار والانحدار.