البعث والسلطة ثورة ١٧ تموز نموذجاً

البعث والسلطة

ثورة ١٧ تموز نموذجاً

د. نضال عبد المجيد

 

    يجول في مخيلة العديد من المثقفين ومن المواطنين العرب، سؤال يتردد صداه باستمرار : (هل حزب البعث العربي الاشتراكي، عند سعيه لتسلم السلطة كان يطمح أن يستفيد من مغانمها، ويحول ثروات البلاد لمنفعته الشخصية)؟.

أم أنه صاحب مشروع، أراد به أن يجعل من هذه السلطة وسيلة لتحقيق مشروعه القومي. ببناء العراق، بل والأهم بناء الإنسان فيه. ليكون قادراً على الاضطلاع بالبناء لأنه الوسيلة والغاية في ذات الوقت.

سفر الـ ٣٥ عاماً، وسيرة مناضلي البعث الشجعان وتجردهم ونكران ذاتهم، شواهد حية على ما نقول.

البعث تلك الحركة التاريخية، لم يكن في ضميرها ووجدانها أن تسلم السلطة في أي قطر من الأقطار، هي محطة للأثراء والمكاسب. بل هي الوسيلة المركزية لتحقيق أهداف النضال الوطني والقومي.

في يوم ١٧ تموز ١٩٧٩ ألقى الشهيد القائد صدام حسين خطاباً للشعب والأمة، ومن بين ما قاله في ذاك اليوم ” إن السلطة في نظرنا ليست الحكم والتحكم وارضاء الذات بل هي العبء الذي نحمل لخدمة الشعب والأمة” 

لم يكن تسلم السلطة هدفاً بحد ذاته، وحيثما تهيأت الفرصة في أي قطر، فإن ثقل النضال القومي سيكون موجوداً فيها.

 في شباط ١٩٦٨ عقد المؤتمر القومي التاسع لحزب البعث العربي الاشتراكي، بعد نكستين مريرتين كانت الأولى، ردة ٢٣ شباط ١٩٦٦ الممهدة للثانية في ٥ حزيران ١٩٦٧.

وقد أقر المؤتمر استراتيجية النضال القومي القائمة على النضال الشعبي كطريق لمجابهة التحديات التي تعصف بالأمة وتم الاتفاق على قيام قيادة قطر العراق بتصعيد النضال باتجاه أن يتبوأ العراق مكانته على طريق تحقيق أهداف النضال العربي.

وعليه اتخذ البعث قراره الجريء بتفجير ثورة ١٧ تموز القومية الاشتراكية، لتوظف هذه الثورة وما تتيحه إدارتها للدولة من امكانيات العراق البشرية والمادية، لبناء نموذج قومي يحتذى به. مما استجلب هذا البناء، الأعداء من كل حدب وصوب من الذين يريدون الشر للعراق وللأمة، لوأد هذه التجربة التي ظلت تكافح ٣٥ عاماً دفاعاً عن الشعب والأمة وليس دفاعاً عن سلطة.

كيف تعامل البعث مع هذه السلطة..

 وكيف تعامل مناضلوه معها؟.

 أثبت التاريخ ووقائع السنوات الخمس والثلاثين أن مناضلو البعث لم يحولوا ثروة العراق لمنفعتهم الشخصية، لم يكتنزوا الأموال، ويفتحوا الحسابات البنكية في سويسرا، ولم يأخذوا عمولات عن عقود التنمية، التي كانت بالمليارات من الدولارات، ومن كان يضعف أمام اغراء المال كان سيف القانون الصارم يحاسبه بأشد مما يحاسب المواطن العادي.

إن عفة يد قادة ومناضلي البعث الذين عاشوا مثل شعبهم، أيام الرخاء أو أيام القتال أو أيام الحصار الجائر ولم يميزوا أنفسهم بأي ميزة رغم ثقل الواجبات التي أنيطت بهم والتي استوجبتها ظروف الحصار والمواجهة، والتي تخرج بالضرورة عن مهمات الحزب السياسي.

فكانوا بحق أول من يضحي وآخر من يستفيد، واستفادتهم هنا، هي هذا الإرث الشامخ من سفر التضحية والفداء دفاعاً عن الوطن والأمة. واستفادتهم هذا البناء المادي، الذي حشدت دول كبرى كل امكانياتها لتدميره.

نذكر هذه الخصال الرفيعة لمناضلي البعث ولقيادتهم الشجاعة ونحن نعيش أجواء الذكرى السابعة والخمسين لثورة تموز

ليس من باب المقارنة التي لا تصح اطلاقاً، بين البناة وبين أصحاب معاول الهدم، بين المضحين وبين الخونة والجواسيس الذين سلطهم سيدهم المحتل الأمريكي على مقدرات هذا الشعب. فعاثوا في الأرض الفساد واستهانوا بمقدرات البلاد ودماء أبنائه، بل نذكر الأجيال أن ثورة ١٧ – ٣٠ تموز ١٩٦٨ لم يفجرها البعث من أجل السلطة ومكاسبها، مثلما فعل ويفعل الكثيرون، وخاصة هؤلاء المتسلطون على رقاب شعب العراق، الذين حولوا السلطة إلى بقرة حلوب لهم ولزبانيتهم، بل من أجل بناء دولة تكون نموذجاً لكل أقطار الأمة. دولة القطر النموذج.

فمن الإنصاف أن يذكر البعثيون بأنهم لم يغتنوا ولم يتنعموا بالسلطة، التي كانت بأيديهم الأمينة مكرسة لخدمة الشعب والأمة وتحقيق أمانيهما في التقدم والتطور.