الدَور الإيرانِي فِي العِراق: مِن شَريكِ الإحتِلال إلى مَأزقِ التَراجُع الإقلِيمِي  

حسن خليل غريب

 

مقدمة تاريخية

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ظلّت إيران تراقب المشهد العراقي بحثًا عن منافذ للتأثير، مستخدمة أدوات الطائفية والمعارضة السياسية. ومع اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، تحوّل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة لمنع ان يكون بوابة رئيسية لمشروع النفوذ الإيراني في المشرق العربي. لكن الاحتلال الأميركي عام 2003 شكّل نقطة انعطاف حاسمة، إذ انتقلت إيران من دور خارجي داعم لما سمي “معارضة” إلى هيمنة داخلية عبر الميليشيات والمؤسسات الرسمية. ومع سياسات الضغط القصوى التي انتهجها الرئيس دونالد ترامب، واغتيال قاسم سليماني، ثم سقوط نظام الاسد في سوريا عام 2024، دخل الدور الإيراني مرحلة جديدة من التراجع النسبي. وأخيرًا، جاءت مفاوضات العام 2026 بعد اغتيال خامنئي لتفتح الباب أمام إعادة رسم حدود النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، في إطار تفاهمات أميركية – إيرانية مشروطة بالموقف العربي.

 منذ العام 2003، تاريخ احتلال العراق، أصبح الدور الإيراني في المنطقة، جزءًا من مشروع وظيفي يخدم الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية لتفتيت الهوية القومية العربية والوجود العربي برمته.

 إن دخول إيران إلى العراق لم يكن خروجًا على الاحتلال الأميركي، بل كان تكاملًا معه. فقد وفّر الأميركيون الغطاء، فيما وظّفت إيران الطائفية السياسية لتكريس نفوذها، وتحويل العراق إلى ساحة مفتوحة لميليشياتها لاستهداف كل ماهو وطني. بهذا المعنى، لم يكن الدور الإيراني بديلًا عن الهيمنة الأميركية، بل شريكًا في تكريس الاحتلال وإدارة الانقسام وإضعاف الدولة الوطنية.

 لقد اتَّخذت العلاقة بين واشنطن وطهران منذ ذلك التاريخ شكلًا من التحالف الوظيفي: أميركا تستفيد من تفتيت البنية القومية العربية واضعاف العرب، وإيران تستفيد من توسيع مشروعها الإقليمي عبر العراق، ثم عبر لبنان وسورية واليمن. في هذا السياق، يصبح حزب الله في لبنان الأداة الأبرز لهذا المشروع، حيث يتحرك وفق حسابات إيرانية لا لبنانية، ما يجعل القرار الوطني رهينة الخارج.

 أولاً: التطور التاريخي للدور الإيراني في العراق

1-إيران والعراق قبل 2003: من المعارضة إلى الحرب

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ظلّت إيران تراقب المشهد العراقي بحثًا عن منافذ للتأثير. في العهد الملكي والجمهوري المبكر، اقتصر دورها على دعم بعض القوى المعارضة، لكن مع تغيير النظام ومجيء خميني عام 1979، فسارعت الى العدوان فتحوّل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة. وكانت الحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988) التعبير الأوضح عن هذا الدور، حيث سعت إيران إلى إضعاف العراق شعبا وموارد ودولة عبر دعم الميليشيات المسلحة التابعة لها، مثل المجلس الأعلى وقوات بدر. وفي التسعينيات، استغلت إيران الحصار المفروض على العراق لتوسيع شبكات نفوذها، ما جعلها لاعبًا حاضرًا في كل نقاش يستهدف التآمر على مستقبل العراق الوطني وخاصة في انكلترا واميركا حتى قبل الاحتلال الأميركي.

 2-إيران والعراق بعد 2003: من النفوذ الخارجي إلى الهيمنة الداخلية

مع وقوع بغداد تحت الاحتلال الأميركي، دخلت إيران مرحلة جديدة من نفوذها في العراق. لم تعد مجرد داعم لما يسمى “معارضة”، بل أصبحت شريكًا مباشرًا في صياغة المشهد السياسي والأمني، عبر الميليشيات والأحزاب الطائفية التي تسللت إلى مؤسسات الدولة، فيما لعب الحرس الثوري وفيلق القدس دورًا محوريًا في إدارة الصراع. وقد اتخذت العلاقة مع واشنطن شكلًا وظيفيًا:

  أميركا وفّرت الغطاء، وإيران نفّذت مشروع التفتيت عبر الطائفية. بهذا تحوّل العراق إلى ساحة لتوازن النفوذ بين الطرفين، وأصبح القرار الذي يفترض انه وطني رهينة حسابات خارجية.

  

3-مرحلة داعش وما بعدها: شرعنة النفوذ الإيراني

لم يقف الشعب العراقي موقف المتفرج فثار ثورة سلمية، وبعد وصول ثورة العشائر إلى مراحل متقدمة، ووصلت إلى أبواب بغداد، بدأ هاجس إسقاط العملية السياسية يحفِّز أميركا وإيران على مواجهة الثورة بأسلوب آخر، فكان ابتكار (بدعة داعش)، بتخطيط إيراني وتنفيذ مشترك لنظام بشار الأسد ونوري المالكي، لتحويل المعركة بين العراقيين أنفسهم من جهة ولتحطيم معاقل المقاومة العراقية البطلة ضد الاحتلال الامريكي. حينذاك، شكَّل ظهور تنظيم داعش غطاءً ذهبياً لإيران لتحقيق تلك الاهداف ولتكريس شرعية ميليشياتها تحت اسم “الحشد الشعبي”. وبهذا، قدّمت نفسها كحامية للعملية السياسية التي جاء بها المحتل، لكنها في الواقع رسّخت وجودها العسكري والسياسي والأمني والاقتصادي، وجعلت من الحشد أداة رسمية للنفوذ الإيراني. هذه المرحلة مثّلت انتقال إيران من نفوذ غير رسمي إلى هيمنة مؤسساتية، حيث باتت قادرة على التأثير المباشر والسافر في القرار السياسي والاقتصادي، فضلًا عن التحكم في مسار الأمن الوطني، والهيمنة على موارد العراق والعراقيين بشتى الوسائل.

 4- من العراق إلى الإقليم: تراجع وتحوّل بعد 2017

بعد عام 2017، ومع إغلاق البوابة السورية تدريجيًا وسخونة الساحة العراقية بالاحتجاجات الشعبية، التي قادتها انتفاضة 2019 الشبابية، بدأ النفوذ الإيراني يواجه تحديات جدية. وبتزايد الرفض الشعبي للطائفية، فإن مشروعها في العراق قد أصبح أقل استقرارًا. ومع سقوط نظام الاسد في سوريا في كانون الأول/ديسمبر 2024، فقدت إيران إحدى ركائز تمددها، مما هدد حضورها في العراق. ومع ذلك، بقيت متمكنة من السيطرة والتأثير عبر الأمن، والميليشيات، والاقتصاد، والسياسة.

 ثانياً: المتغيرات في الدور الإيراني بعد ولاية ترامب الأولى

منذ ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، دخل الدور الإيراني في المنطقة مرحلة جديدة من التحديات والتحولات، باعتبارها انتقالاً من مشروع توسعي واثق إلى مشروع مضغوط بالضغوط الأميركية والدولية. وخاصة في المجالات التالية:

 الانسحاب من الاتفاق النووي (2018)

اعاد انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي، واشنطن إلى ما سمي بسياسة “الضغط الأقصى”، مما دفع إيران إلى تكثيف حضورها في العراق ولبنان لتعويض اية خسائر داخلية.

 2-العقوبات الاقتصادية والضغط المالي

ان “العقوبات” المزعومة التي فرضها الرئيس ترامب لم تُنهِ النظام الإيراني، لكنها دفعته إلى تعزيز أدواته العسكرية والسياسية في العراق ولبنان للالتفاف عليها خاصة في ظل التهريب لموارد العراق الهائلة الى إيران لدعم اقتصادها وأذرعها. وبقيت الطائفية الأداة المركزية التي تستخدمتها إيران لتثبيت نفوذها وسط انهيار اقتصادي داخلي.

 3-اغتيال قاسم سليماني) 2020(

على الرغم من بعض الخطوات مثل اغتيال سليماني الذي اعتبره البعض ضربة استراتيجية، لكنه لم يُنهِ المشروع الإيراني. وإن إيران أعادت هيكلة أدواتها عبر الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان، مع اعتماد أكبر على القيادة المركزية في طهران.

 4-مرحلة ما بعد 2024

مع سقوط نظام الاسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، فقدت إيران إحدى ركائز تمددها الإقليمي. هذا الحدث هدد نفوذها في العراق ولبنان، لكنه لم يُلغِ حضورها، إذ بقيت قادرة على السيطرة والتأثير عبر الادوات المشار اليها اعلاه. وأصبح هذا التدخل سافرا متجاوزاً ابسط معايير الاستقلال والسيادة.

 ثالثاً: ترامب في ولايته الثانية، ومحاولات “تقليص” التأثير الإيراني في العراق

منذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد الرئيس دونالد ترامب فتح ملف النفوذ الإيراني في العراق باعتباره أحد أبرز ملفات الأمن القومي الأميركي. وباعتباره محاولة لإعادة رسم التوازن داخل العراق عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، مع التركيز على حكومة جديدة في المنطقة الخضراء كواجهة مزعومة لتقليص النفوذ الإيراني وتُقدَّم كواجهة عراقية رسمية لتنفيذ هذه الشروط، مما يجعلها ولو شكلياً جزءًا من استراتيجية أميركية لإعادة القرار الحكومي إلى بغداد. ومن الادوات “المعلنة” لتحقيق ذلك هي:

 1-الضغط الدولي والعقوبات:

إعادة تفعيل سياسة ما عرف ب “الضغط الأقصى” على إيران، ليس فقط عبر العقوبات الاقتصادية المباشرة، بل أيضًا عبر الضغط على السلطة العراقية لتقليص التعامل مع الميليشيات المرتبطة بطهران.

 2-إعادة بناء الدولة العراقية كساحة لتعزيز المصالح الأميركية:

من خلال دعم السلطة الجديدة في المنطقة الخضراء، فان الموقف المعلن للرئيس ترامب هو انه يسعى إلى تعزيز مؤسسات الدولة الرسمية، وخاصة الجيش والأجهزة الأمنية، لتكون بديلًا عن الميليشيات. إن هذه الخطوة تمثل محاولة لإعادة القرار العسكري إلى الدولة، وإلغاء دور الميليشيات كأداة رئيسية للنفوذ الإيراني. ولكن على ارض الواقع تبقى كل هذه المحاولات شكلية ومحدودة في ظل استمرار العملية السياسية الراهنة ونظام المحاصصة فيها والتي تفضي الى استمرار تحكم النفوذ الايراني في كافة قيادات ومفاصل الدولة الرسمية العسكرية والمدنية منها.

 3- ربط العراق بالموقف العربي:

إن أية محاولة لإلغاء النفوذ الإيراني او تقليصه لا يمكن أن تنجح دون ربط العراق بالموقف العربي العام. الرئيس ترامب، وفق هذه القراءة، يحاول الدفع باتجاه إدماج العراق في منظومة عربية – دولية، بحيث يصبح جزءًا من مشروع إقليمي على امل تعزيز سيادة العراق والحد من قدرة إيران وسعيها المحموم لاستخدام الطائفية كأداة للتقسيم والتفتيت والهيمنة.

 4-التفاوض الأميركي – الإيراني الجاري 2026:

بعد اغتيال علي خامنئي في مطلع 2026 بدأت مرحلة تفاوض جديدة بين واشنطن وطهران. لم تكن تلك المفاوضات مجرد تسوية ثنائية، بل محاولة لإعادة رسم حدود النفوذ في المنطقة. فإيران تبحث عن ضمانات دولية وعربية لتثبيت حضورها ومصالحها. أما واشنطن، فتسعى في العلن لفرض شروطها، بما يربط أي تفاهم بمطلب عربي رسمي يحدّ من دعم إيران لأذرعها في العراق ولبنان.

  خاتمة

إن قراءة تطور الدور الإيراني في العراق تكشف مساراً متدرجاً من النفوذ الخارجي إلى الهيمنة الداخلية، ثم إلى تعزيز و”شرعنة” الحضور عبر مؤسسات الدولة.

 ان هذا الدور لم يكن يوماً بديلاً عن الهيمنة الأميركية، بل شريكاً وظيفياً في إدارة الانقسام وإضعاف الهوية القومية العربية وتهديد الوجود العربي والامن القومي له. ومع التحولات الأخيرة، يبقى مستقبل العراق مرهوناً بقدرة ابنائه وقواه الوطنية الحرة على استعادة قراره الوطني، وبمدى نجاح النظام العربي الرسمي في صياغة موقف موحّد يضع حدّاً للوصاية الخارجية ويعيد التوازن إلى المنطقة، وبلورة مشروع عروبي نهضوي يضمن المقومات الاساسية للامن القومي العربي.