شبكة ذي قار
عـاجـل













ما من لبناني هذه الايام الا ويتملكه الذهول وفاجعة بلدة التليل في عكار تعيده عاماً واسابيع من الزمن الى الوراء ،
مستحضرةً كارثة مرفأ بيروت من جديد وما تولّد عنها من فواجع وكوارث صار البلد يتوّجع جرّاءها عن بكرة ابيه ،
يكابد ويستوعب الالم تلو الالم ،
فيماالمسؤولون يغطُون في وادٍ سحيق يفصلهم عن معاناة شعبهم ،
فتحتار كيف تصف ما يجري،
وفي اية خانة تصنّف هؤلاء ،
هل هم متآمرون على شعبهم ويستحقون اغلظ ما يسمح به قانون العقوبات من مواد ،
ام انهم غير ذلك ،
وفي افضل الحالات ،
هم اغبياء لا يدرون ماذا يفعلون ،
او انهم يعلمون ويكابرون.
تلك هي الطامة الكبرى التي ابتُلِي بها اللبنانيون على ايدي هؤلاء الذين يجمعون اليوم بين صفتي المتآمر والغبي وفي كلا الحالتين ، النتيجة واحدة.
في معجم الوسيط المعاصر للُغة العربية ، ثمة تعريف مختصر للمتآمر فيصفه بأنه :
مَنْ يَشْتَرِكُ مَعَ طَرَفٍ ضِدَّ طَرَفٍ آخَرَ لِلإِيقَاعِ بِهِ فِي كَارِثَةٍ،
اما في تعريف الغباء فقد جاء انه :
ضعف في الذكاء، و الفهم، و التعلم، والشعور أو الإحساس، وربما يكون السبب فطري أو مكتسب أو مُفتعل،
ويُعرف الغبي في اللغة العربية بعدة ألقاب كالأحمق والمعتوه والأبله والمغفل.
تحتار حقاً كيف تصف من يتولون زمام امورنا الحياتية واوصلونا الى أسوأ ما يعيشه الانسان على هذه المعمورة من ايام ،
وتحاول تجنب الصاق صفة التآمر عليهم خشية اتهامك باعتماد نظرية المؤامرة التي لم تعد تصلح لكل زمان ومكان ،
لتعود وتنقّب في معايير الغباء لديهم لتجد ان فيهم ما هو اخطر من التآمر والاجرام معاً ،
سيّما ان في بعض ما يرشح من تبريرات جاهزة لدى جميعهم ،لنفي مسؤولية الانهيار عن طرف ورميها على الطرف الآخر على غرار "ما خلُّونا" ،
ما شكّل لازمة ثابتة في الخطاب السياسي المعتمد عندهم ،
وتقودنا الى جملة ظواهر تدين ارتكاباتهم و تنطبق على كل ما اعتمدته النظريات الاجتماعية حول ما يدل على غبائهم القاتل وتآمرهم المجرم معاً ، ومن عناوينها :
١ - لوم الآخرين على اخطائهم ،وكلهم يفعلون ذلك ويلومون بعضهم البعض فيضيع المواطن بين من هم على حق ومن هم على خطأ،
٢ - الظن بانهم دائماً على حق ،الى درجة الغرور والمكابرة والإمعان في حب الذات،
٣ - الغضب والتصرف بعدائية ، يواكبها "سوقية" لا تجدها حتى لدى الزعران والشبيحة ،
٤ - تجاهل آراء الناس بهم بقدر تجاهل احتياجاتهم اليهم ،وكأن الله خلقهم "وكسر القالب"كما تقول الامثال الشعبية،
٥ - الاعتقاد بانهم الافضل والتشهير بالآخرين لاظهار انفسهم انهم الافضل ،وتلك قمة الوقاحة وانعدام الاخلاق التي لم يسبقهم اليها احد.
لذلك كله ،ومع متابعتنا لما يجري على ارض عكار الجريحة من مآسٍ ودماءٍ مسفوكة على مذابح صهاريج التهريب وخزاناتها ، تستحضر الذاكرة مقولةً لاحد كبار رجالات عكار وحكيمها رفيقنا واستاذنا الراحل المحامي خالد العلي وفيها :
ان الغبي يشكل خطراً على المجتمع بقدر ما يرتكبه المتآمر وربما اكثر ، فالمتآمر يعرف ماذا تجنيه يداه ويعرف متى يتوقف ،
اما الغبي ، فيستمر في التخريب دون ان يدري خطورة ما يرتكب.
نعم ،كلهم مرتكبون ،
وكلهم مجرمون،
و"كلَُن يعني كلُّن "، دون تمييز بين متامرٍ وغبيٍ فيهم،
حيث تتلاشى كل فروقات التخريب لدى الاثنين عندما ترسو اعمالهما على نتيجة واحدة ،
لا يستحقون عليها سوى العقاب الصارم من شعبهم ،وترك التحقيق العادل يأخذ مجراه ، سواء في كل ما وصلت اليه التحقيقات في جريمة المرفأ ، او ما يُنتَظَر ان يكشفه التحقيق في فاجعة التليل ،
ومن خزّن المحروقات وعمل على تهريبها وجنى الاموال الخيالية منها على حساب الشعب وتعبه ومعاناته ،
وتوفير سبل الحماية القانونية والشعبية لمن يتولى التحقيق وايقاف كل تدخل سياسي حاصل في عمل القضاء بتحريره وتعزيز استقلاليته.
من هنا تبدأ الف باء التغيير الحقيقي في دولة لا يعشعش فيها الفساد وحسب ،وانما تسودها اليوم شريعة الغاب التي يستقوي فيها القوي على الضعيف كما السمك الكبير الذي يأكل الصغير ،
ويتلاشى فيها رجال الدولة القادرين على البناء لا الهدم ،
فيضعوا مصلحة الوطن والشعب فوق مصالحهم الذاتية والحزبية ،
وقد ابتلينا باقزامٍ لا يفقهون سياسة ،ولا يستطيعون تدبُر سوى مصالحهم الذاتية وحسب،
فدمروا الدولة بمؤسساتها على ايديهم ،
وتوجهوا الى رمي سهام المسؤولية على بعضهم البعض ،
بعدما انكشفوا امام شعبهم ،
وباتوا عاجزين عن اعادة بناء ما دمروه من جديد.
فهل يأتي تشكيل الحكومة اليوم ستراً لكل فضائحهم ، ويعيشوا حالةً من المساكنة غير المشروعة التي فرضتها ظروفهم بالاكراه ،
ام انها تحمل صواعق التفجير من داخلها فيطيحون ببعضهم البعض لدى اول محطةٍ مفصلية تكشف عجزهم عن البناء وهم الذين لا يتقنون سوى التخريب، ولا شهد البلد الخراب الحقيقي يوماً ،الا على اياديهم.





الجمعة ١٧ صفر ١٤٤٣ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢٤ / أيلول / ٢٠٢١ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب نبيل الزعبي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة