مفهوم الأحزاب الثورية والأحزاب التقليدية

 
 

شبكة المنصور

ابو محمد العبيدي
من المعلوم إن إحدى الدعائم الأساسية لأي حزب ولديمومته على وجه الخصوص, هي الأفكار والمبادئ التي يؤمن بها ويطرحها وكلما كانت هذه المبادئ اقرب إلى الشعب والى طموحاته, كلما استطاع هذا الحزب من الاستمرار,وعموما فان هناك اختلاف بين الأحزاب الثورية والأحزاب التقليدية بالمفهوم الغربي أو أدق الأحزاب التي جاءت بها الديمقراطية الغربية والتي أنشأت من قبل النظام الامبريالي الرأسمالي لتقوم بدور الحارس الأمين على هذا النظام وبالمقابل يحرس هذا النظام على استمراريتها ,أي إن هنالك جدلية بينهما , أما المساحة التي تستطيع اللعب فيها فهي السياسة والمواقف السياسية أي إن هذه الأحزاب بعيدة كل البعد عن الأفكار والمبادئ  ولذلك يقولون ,لا توجد سياسة دائمة بل مصالح دائمة والمقصود هو عدم وجود مبادئ تحكم السياسة بل المصالح هي التي تحكمها وهذه تعني مصالح النظام الرأسمالي ,ويوجد لديها أهداف, ولكن هذه الأهداف هي أهداف النظام الرأسمالي والذي تتبارى فيما بينها لتحقيقه ولتحقيق هذه الأهداف وتختلف فيما بينها في طرق وأساليب تحقيق هذه الأهداف وقد بني النظام الرأسمالي على عدم السماح للأحزاب المبدئية وذات الأفكار المعارضة للرأسمالية بالعمل, والأدق بالظهور والتقدم من خلال خلال استثمار إمكانيات النظام لضرب هذه الاحزاب , وفي بعض الأحيان التدخل المباشر لإنهاء أي حركة أو حزب إذا لم تنفع معه الأساليب التقليدية ,ومن الأمثلة, الحملة المكارثية على معتنقي ومؤيدي الأفكار اليسارية في الولايات المتحدة والتي تتبجح بالديمقراطية وحرية الرأي والتي جعلت من المستحيل قيام أي حزب أو حركة خارج إطار النظام الرأسمالي بل وحتى خارج نظام الحزبين,ومن الأمور الأساسية لعدم تكون الأحزاب الثورية هي عدم الحاجة إليها من قبل شعوب تلك الدول,لعدم وجود مبررات لهذه الأحزاب ولا لأفكارها ,حيث إن المبرر الوحيد الذي كان يضغط باتجاه تكون هذه الأحزاب والذي هو الصراع الطبقي قد خففته الرأسمالية في بلدانها من خلال القضاء على الفقر وإيجاد فرص العمل والأجور المناسبة والضمان الاجتماعي والصحي وبالرغم من وجود كثير من الانتقادات والسلبيات إلا أنها لا تصل بهذه الشعوب إلى حد الثورة أو اعتناق الأفكار الثورية أو الانضمام إلى الحركات الثورية ,وخاصة إن النظام الرأسمالي قد انتهج الديمقراطية كنظام لتداول السلطة, أي إن الشعب هو الذي يختار حكامه وهناك الدستور الذي يحميها أي نظريا وعمليا فان النظام الديمقراطي والذي يحمي الرأسمالية ,يحميه الشعب الذي يضن ويتصور انه هو الذي أتى به وهو الذي صنع الديمقراطية نتيجة نضاله وبالتالي فهو المسئول عن حمايتها وحتى الأساليب الاستعمارية التي تتبعها حكوماتهم فإنها مبرره, لأنها لحماية مصالحهم ومصالح دولتهم ورفاهية شعوبهم وهذا جزء من الازدواجية التي يعيشها الإنسان الغربي عموما بل والفكر الغربي .


إما دول العالم الثالث أو الدول المتخلفة أو الدول النامية أو أي تسمية أو مصطلح يطلق عليها فلها مبرراتها التي تفرض عليها تكون الأحزاب الثورية أو الأحزاب المبدئية ,فتاريخيا وبينما كانت الدول الأوربية تتقدم في نهضتها الصناعية وتكون الدولة القومية المتطورة والمتقدمة سياسيا وثقافيا وعلميا كانت الدول المتخلفة تزداد تخلفا بفعل سيطرة تلك الدول عليها واستغلال ثرواتها واستعمارها وتجزئتها مما جعل عملية تكون الأحزاب أو مبررات إنشائها متعددة مع تعدد وأنواع المشاكل التي تعاني منها هذه الدول, فمثلا نجد إن الأقطار العربية تعاني من التجزئة والاستعمار والتخلف والقهر الاجتماعي مما فرض تكون أحزاب ذات أفكار تعالج هذه المشاكل وتسعى لتحقيق أهداف يمكن من خلال النضال, وتحقيق هذه الأهداف, أن تنهي هذه المشاكل ,أي إن الأفكار والمبادئ التي جاءت بها الأحزاب هي تلبية لحاجة هذه الشعوب والأقطار وليس نتيجة مماحكات فكرية لمنظرين أو لمفكرين بعيدين عن الواقع ,بل جاءت تلبية لهذا الواقع مما أعطاها رسوخا وديمومة وسهل فهمها من قبل قسم كبير من أبناء الشعب لأنها تعبر عنه وعن ما تؤمن به ولم تأتي إليها بأفكار غريبة عنها ,ومن أفضل من مثل هذا الوصف هو حزب البعث والفكر البعثي فيما يخص المنطقة العربية,حيث حدد أهدافه بالوحدة وهي الحل الأمثل لمشكلة التجزئة التي تعاني منها والذي أوجدها الاستعمار في اتفاقية سايكس _بيكو ,وبالحرية والتي هي الحل للتخلص من الاحتلال والاستعمار ,والاشتركية والتي اطرها ضمن الواقع العربي والتي جاءت تلبية لحاجته ,والتي تختلف اختلاف جوهري عن النظرية الماركسية وتحديدا عن المفهوم الماركسي للاشتراكية,وفي نفس الوقت رفض المفهوم الغربي اي الراسمالي كنظام لعدم ملائمته للواقع العربي لاختلاف المشكال التي يعاني منها الواقع العربي عن الواقع الاوربي او الغربي عموما ,وقد انشات في الوطن العربي, الكثير من الاحزاب التقليدية او التي اخذت المفهوم الغربي كطريق وكاسلوب ولكنها لم تستطع الاستمرار لانها لم تلبي متطلبات الواقع الذي نشات فيه واحتياجاته ,ويمكن تصنيف اغلب الاحزاب العاملة في الساحة العراقية بعد الاحتلال بهذا الوصف او ضمن هذا التصنيف وبغض النظر عن وطنيتها وتعاملها مع المحتل فان هذه الاحزاب ما هي الا عبارة عن تجمع مؤقت تستغل النعرات الطائفية للعيش اطول مدة ممكنة وليس لها الاسس التي تمنحها الديمومة والاستمرارية واقصد الفكر والايديولوجيا التي تستطيع من خلالها رسم استراتيجية مقبولة من قبل الشعب ,وهذا ما نراه اليوم في استفلاس هذه الاحزاب , فليس لديها اهداف محددة وليس لديها برنامج واقعي للعمل السياسي وليس لديها برنامج لادارة الدولة ولا لتطوير اقتصاد البلد ,وكل ما لديها هو طرح مشاريع وتشريع قوانين لمحاربة البعث والمقاومة ومحاربتها باسم محاربة الارهاب ,ورفع الشعارات الرنانة مثل محاربة الفساد والاهتمام بالخدمات ودون اي عمل يذكر ,حتى وصل الحال بهذه الاحواب الى محاربة بعضها البعض من اجل السيطرة على السلطة مما كشفها جميعا امام المواطن الذي صدقها وصدق ادعائاتها في البداية ,ان هذه النماذج للاحزاب لا يمكن ان تستمر حتى مع استغلالها السلطة وامكانياتها لصالحها ,وبالتالي فان الحزب الوحيد الذي يريده الناس هو الحزب الثوري الذي يستطيع ان ينهض بواقع البلد ويلبي احتياجات مواطنيه السياسية والاقتصادية .


وهنا لابد من التفريق بين الحزب الثوري والحزب المبدئي,فالنوعان يشتركان بانهما ذو مباديء ثابته ولكنهما يختلفان في الاساليب حيث ان الحزب الثوري يستخدم اساليب ثورية لتحقيق هذه المباديء والتي هي ايضا ثورية اي انها ذات مفاهيم تفرض اجراء تغيير جذري في المجتمع وترفض الاصلاحات الشكلية التي تؤمن بها الاحزاب التقليدية والتي لا يمكن ان تؤدي الى تقدم المجتمع ومواكبة التطور الحاصل في العالم وبالتالي فان الهوة الواسعة بيننا وبين دول العالم ستبقى ان لم تزداد مع مرور الزمن من خلال هذه الاصلاحات,وكذلك فان الاختلاف ما بين هذين النوعين هو التنظيم الثوري الذي تفتقده الاحزاب التقليدية وحتى المبدئية وهذا ما نراه واضحا في تنظيمات الاحزاب الحالية والتي لم تستطع قيادة منشاة او دائرة فرعية وليس وزارة فهل من المعقول ان تستطيع ادارة بلد ,وانا اعتقد ان ما يسمى بالازمة الامنية هو عامل مساعد لهذه الاحزاب والحكومة على تبرير اخفاقاتها وعلى كل الاصعدة وانها لن تستطيع الصمود ولا الاستمرار, لا في هذه الضروف ولا في الضروف الطبيعية لعدم امتلاكها القدرات اللازمة للقيام باي دور في المجتمع ,وان الشيء الوحيد الذي ساعدها على الاستمرار خلال المدة القصيرة الماضية هو الموارد النفطية الهائلة والتي غطت على الكثير من سلبياتها,من ذلك يتضح وبغض النظر عن الاحتلال ودور حزب البعث الجهادي لتحرير العراق فان كل الاحزاب العاملة في الساحة العراقية لا يمكن ان تكون بديلا للبعث في قيادة المجتمع وتقدمه وفي اقامة نهضة حضارية ,ونحن اذ اسقطنا العوامل السياسية والاهداف الوطنية من تحليلنا هذا حتى نوضح بان هذه الاحزاب لا يمكن ان تكون بديل ناجح لحزب البعث ليس فقط على المستوى السياسي بل على كافة المستويات ,مما يعزز حاجة المجتمع العراقي الى البعث والبعث وحده .

 
 
كيفية طباعة المقال
 
 

شبكة المنصور

الاربعاء / ١٠ جمادي الاولى١٤٣٠ هـ

***

 الموافق ٠٦ / أيــــــار / ٢٠٠٩ م