في السياسة أيضا ، الهجوم خير وسيلة للدفاع

 

 

شبكة المنصور

علي الصراف

كل الذين يعتقدون أن السودان يستطيع مواجهة الملاحقة الجنائية للرئيس عمر حسن البشير من خلال التسويات، مخطئون. وإذا سار الرئيس البشير خلفهم، فانه سيكون أكثر من يدفع الثمن.

 

لقد اقتصر الرئيس البشير في رده على قرار المحكمة الجنائية الدولية بطرد عدد من منظمات الإغاثة. فردت الولايات المتحدة بتحميله المسؤولية عن كل وفاة تحدث في دارفور بسبب نقص أعمال الإغاثة. وزادت على هذا بتعيين مبعوث خاص لمتابعة الأزمة.

 

كان يجب على الرئيس البشير أن يضرب الحديد وهو حار. ولكن يبدو انه كان يصغي لمستشارين ينصحونه بالتريث والاعتدال وإظهار الرغبة بالتسوية. وهؤلاء سوف يأتون إليه بأجله. وهم يخونون حق السودان في الدفاع عن سيادته ووحدة أراضيه. ومن الأولى بالرئيس البشير أن يلقي بهم في أقرب صندوق للقمامة، خارج القصر الرئاسي في الخرطوم.

 

اتهام رئيس دولة مستقلة وذات سيادة بارتكاب جرائم حرب، وملاحقته وهو على رأس سلطته، يقول شيئا واحدا هو أن دستور هذه الدولة لا يحميه، وأن نظامها القضائي لا يتمتع بالأهلية، وأن مؤسساتها التشريعية والتنفيذية لا قيمة فيها.

 

وهذه إهانة ليس للمتهم وحده، وإنما للبلد برمته، لكرامته ولوجوده المجرد. والواجب الوطني يقتضي من كل فرد، أي فرد، أن يعتبر الملاحقة الجنائية تهديدا شخصيا له، ولكرامته الوطنية.

 

من حق السودانيين أن يحاكموا الرئيس البشير بأنفسهم. من حقهم أيضا أن يقلبوا نظام حكمه، أو ينتخبوا غيره. كما إن من حقهم أن يعدموه لو شاءوا. كل هذا ممكن. لأنه شأن داخلي خاص. أما أن يُلاحق وهو على رأس سلطته، فالأمر لا يعود ساعتها سوى تهديد للبلد نفسه.

 

ضع إسرائيل جانبا. فكلنا يعرف ما هو هذا الكيان. وما هي طبيعة الجرائم التي يرتكبها، كل يوم، تحت سمع وبصر "المجتمع الدولي" ونظامه القضائي. لقد ارتكب الرئيس الاميركي السابق جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير جرائم حرب وانتهاكات في العراق تستحق ملاحقتهما وإعدامهما. وهناك من الأدلة ما يكفي لإثبات تلك الجرائم. بل أن هناك هيئات حقوقية أميركية وبريطانية قدمت بالفعل مذكرات إتهام ضدهما. ولو كان هناك قضاء نزيه ومستقل فعلا، لكان قد وجه لهما استدعاءات للتحقيق على الأقل. إلا أن هذا لم يحصل.

 

لماذا؟

لأن الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء البريطاني يحظى بالحماية والحصانة الضمنية حتى وهو خارج سلطته. وتلك الحماية والحصانة تمنح (عمليا) له احتراما لمنصبه ولقيمته المعنوية.

 

فلماذا لا يكون من حق السودانيين أن يمنحوا رئيسهم الحصانة نفسها، إحتراما على الأقل لمنصبه، الذي يمكن أن يكون منصبا لأي أحد منهم؟

 

نحن نعرف، على أي حال، أن الغالبية العظمى من السودانيين تقف الى جانب البشير.

وسواء ارتكب الرئيس السوداني أخطاء أو حتى جرائم، فإن الوقوف الى جانبه، هو بالأحرى وقوفٌ الى جانب كرامة السودان ودفاعٌ عن سيادته.

 

ما ليس صحيحا على الإطلاق هو كسر الهمّة في مواجهة العدوان الغربي على هذا البلد.

وما ليس عقلانيا على الإطلاق هو تشجيعه على تبني خيارات رخوة، تزيد في شراسة الولايات المتحدة وحلفائها.

وما ليس مقبولا على الإطلاق هو أن يتم تقديم السودان على انه ضعيف ويستحق كل ما يُرمى عليه.

الشيء الوحيد الصحيح، هو الرد بأقصى وأقسى ما يمكن من وسائل.

في أمور سيادية كهذه، فان التصعيد هو الحل، لا السعي وراء تسوية.

 

كان يجب، وما يزال من الواجب، أن يقوم السودان بطرد جميع البعثات الدبلوماسية التي تؤيد بلدانها ملاحقة البشير.

كان يجب منح هذه البعثات 10 ساعات أقل من المألوف لمغادرة البلد.

كان يجب طرد القوات الدولية العاملة في دارفور فورا.

 

كما كان يجب اجتياح الإقليم وطرد الحركات الإرهابية المسلحة، بل وملاحقتها حتى الى داخل البلدان التي تمارس أعمالها الإرهابية إنطلاقا منها.

وبدلا من الأزمة، كان يجب خلق أزمتين أو ثلاثة أو أربعة، وترك مجتمع النفاق الدولي حائرا في أيهما يعالج أولا.

نزعة الغطرسة والعدوانية (والاحتقار) التي يعاملنا الغرب بها، لا يمكن التصدي لها بالتصرف الرخو، ولا بإظهار الرغبة الى التسوية.

 

نعم، يجب ترك الباب مفتوحا للتسوية.ولكن التسوية يجب أن تكون أمرا مرغوبا به من الطرف الآخر أولا.

تقديم العروض من اجل التسوية بينما يقوم الطرف الآخر بالتصعيد، ليس سوى تعبير عن الضعف والفشل والحماقة.

ومن يُظهر الضُعف لا يستحق أن يحصل على تسوية.

هل ندلكم على مليون تجربة أظهر فيها العرب رغبة بالتسوية فلم يحصلوا عليها؟

في السياسة أيضا، فان الهجوم هو خير وسيلة للدفاع.

ومن لا يقدر على الهجوم، فمن الأولى به ألا يدخل الملعب أصلا.

إذا شعر الرئيس البشير انه لا يقدر على التصعيد، فنصيحتنا له بسيطة ومباشرة: سلم نفسك.

فإن لم تفعل، فانهم سيأتون ليأخذوك عنوة.

عدا ذلك، فمن الأولى بك أن تُصعّد، وتُصعّد حتى يصرخ الجحيم نفسه طالبا الرحمة

 
 
كيفية طباعة المقال
 
 

شبكة المنصور

الاربعاء / ٢٨ ربيع الاول ١٤٣٠ هـ

***

 الموافق ٢٥ / أذار / ٢٠٠٩ م