شبكة ذي قار
عـاجـل













حتى كتابة هذه السطور، لم يتطوّع بعد اي اكاديمي متخصص في علم النفس وحركة الجسد، ليفسّر لنا الدوافع التي حرّكت دموع وزير الاقتصاد اللبناني في الحكومة المستقيلة وهو يسلّم الوزارة لخلفه ،
ولماذا انكب باكياً امام اللبنانيين مودعاً وظيفته السياسية التي شغرها لما يزيد عن العام ونصف العام ،

تحولت خلالها لقمة المواطن في رغيف عيشه الى ادنى ما تشهده من مذلّة واحتكار على ايدي مصاصي دماء لم يرعووا او تتحرك لديهم ذرّة ضمير وهم يصادرون خبز المواطن المرّة تلو المرّة ،
تلاعباً بوزن الربطة وانقاصها التدريجي مقابل رفع سعرها التصاعدي،
حيث تم على ايديهم ،اختراق خط الدفاع الاخير لعيش الناس باشراف من كان يُفترَض به ان يكون الحريص الاول في الدولة اللبنانية على عدم المس به ،والمنافحة من اجل ابقائه في متناول الفقراء والمعوزين ولو ادى ذلك الى المواجهة المكشوفة مع اصحاب الافران وفضحهم وكشفهم امام الرأي العام اللبناني ،
وهذا ما عجز عن فعله الوزير المذكور وتحول بالتالي طوال فترة وزارته الى متحدثٍ بإسم اصحاب الافران وتجار الطحين والمواد الغذائية ، وكأنه الممثل الشرعي لهم في الحكومة وليس ممثلاً للبنانيين ومنوطاً به الدفاع عن مصالحهم وقوتهم اليومي.

من هنا لم نسمع يوماً ان هذا الوزير قد اغلق فرناً يبيع فوق التسعيرة الرسمية ،
او اوقف مطحنةً تعللت باسباب مشبوهة كي تستفيد من القمح المدعوم ، او احال المحلات الكبرى التي تستفيد من هذا القمح بعد استخدام طحينه في صنع الحلويات والمعجنات والبيتي فور والكعك والمناقيش ،
وبيعها باسعارٍ خيالية دون حسيب او رقيب ،
دون ان نغفل الدور الاحتكاري الاخطر لصالات السوبر ماركت وتجار التجزئة للمواد الغذائية وكيف كانت المواد المدعومة فيها تختفي بلمح البصر ليلجأ اصحابها الى التسعير وفق السوق السوداء للدولار ساعةً بساعة وعيونهم لا تغادر البورصة "الدولارية "
واياديهم تعمل على حركة هذه العيون مع كل ارتفاع للدولار ،
فيما يصيبها الشلل عندما ينخفض.

كم كنا نتمنى لهذا الوزير ان يبكي امام احدى الامهات اللواتي كن يبحثن عن حليبٍ لاطفالهن ،فيقتحم مستودعاً او مخزناً احتكر هذه المادة واخرج منه الحليب المخزّن لبيعه باسعاره المدعومة على الاقل، والاشراف على ذلك والتدقيق في كيفية ايصاله لابناء بلده ،بدل ان كنا نفاجأ يومياً بالمواد الغذائية المدعومة المهرّبة ،مركونةً على رفوف المخازن الكبرى خارج لبنان ،وحيث يستطيع ان يصل المهرّبون.

قطعاً، لم يبكِ هذ ا الوزير فرحاً وهو يغادر مسؤولياته لتسليمها الى آخَر ، وقد خسر نفوذاً كان يُشْعِرُهُ يوماً انه تلبّس حنان "ماري انطوانيت"التي لم تجد لمعالجة فقدان الرغيف سوى في لجوء الناس الى أكل "البسكويت "،
كما اننا نجزم انه لم يذرف الدمع حزناً على شعبٍ اشتهى لقمة الخبز على ايامه وصار الرغيف يُسَعّر بالغرام كما يُسَعّر الذهب على ايدي ميليشيا الافران والمطاحن الذين لم يخجلون يوماً بتهديد اللبنانيين صباحاً مساء برغيف الخبز وهم يتظاهرون كالحملان ويتصرفون تصرُف الذئاب فلا من يردعهم ولا من يسد " فجعهم " واحتكارهم غير المحدود.

ان الأصّح من هذا وذاك ، والى ان تُحال تلك المشهدية الباكية للوزير المذكور للتحليل والنقد العلمي على ايدي مختصين وخبراء في لغة الجسد ،
ومع اقتناع الغالبية العظمى من اللبنانيين ان تلك "البكائية" ليست سوى مهارة فائقة في التمثيل الذي اتقنه الوزير وهو يواجه مواطنيه بالمزيد من الوجوه التي تتغير كما الملابس الداخليه ،
وان الدموع "المسفوحة" على شاشات التلفزة لا تتميّز عن دموع العاهرة التي تتحدث عن الفضيلة وتُجيد في ذلك ،

فإن التاريخ لن يذكر هذا الوزير بالخير البتة ، وسيبقى أنموذجاً للوزير الفاشل كما وصفه اقرب المقرّبين اليه ممن دعموا الحكومة المستقيلة ولم يتوانوا يوماً عن نقده باقصى العبارات اللاذعة ، وربما هذا ،ما دفعه الى ان يبكي على نفسه امام الناس قبل ان يبكي على اي شئٍ آخر وهو يدرك ما جنته يداه وسياسته الفاشلة من تقصير غير مسبوق في مسؤولياته وبات من المستحيل عليه تصحيح صورته امام مواطنيه وقد أغرق نفسه في بحر الفشل.

فهل يستفيد الخلَف من تجربة السلَف ويسعى الى انقاذ ما يمكن انقاذه من اقتصاد هذا البلد فتعود اليه بعضاً من عافيته اولاً بأول ، واقله كي لا نترحم على ايام الوزير السابق ودمعه الكذوب.





الثلاثاء ١٤ صفر ١٤٤٣ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢١ / أيلول / ٢٠٢١ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب نبيل الزعبي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة