شبكة ذي قار
عـاجـل













يطرح الباحثون سؤالا إن ما عجزت عن تطبيقه الدولة الدينية هل له حل في النظرية القومية العلمانية ؟ لم تكن العلمانية ولن تكون نظرية فكرية جامدة ، فهي عندما أسقطت الديني لصالح السياسي فقد استهدفت فك الاشتباك بين السلطتين ، بما يضمن حياد السلطة تجاه الدين ، ويضمن حرية اختيار العقيدة الدينية وفي الوقت ذاته يمنع رجال الدين من إعطاء آرائهم واجتهاداتهم صفة مقدسة ، ومن ثم فرضها على الأفراد والمجتمع والدولة فالعلمانية فصلت بين الممارسة الدينية ، والممارسة السياسية ورفضت معاملة المواطن من خلال انتمائه لطائفة معينة ، لكن دون أن تعادي الإيمان الديني أو تنادي بالإلحاد ، كانت العلمانية مشروعاً فكرياً لحل إشكالية المساواة في الحقوق السياسية بين المسلمين وغيرهم من رعايا دولة واحدة وقد مهَّد الطريق إليها المثقفون المسيحيون العرب ، لأنهم وحدهم كانوا يشعرون بعبئها لأنهم تأكدوا طوال قرون من الزمن بأن الحقوق السياسية لغير المسلمين ستبقى منقوصة في ظل نظام سياسي إسلامي لذلك تبقى إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي ، فيما يتعلق بالحقوق السياسية للأقليات الدينية داخل أنظمة دينية ، هي إشكالية عامة تواجه النظام الإسلامي كما تواجه النظام المسيحي أيضاً ولأن أفراد المجتمع في دولة واحدة ليسوا من دين واحد ولأن لكل دين أو مذهب ثوابت مقدَّسة ولكي لا تتحارب المقدسات ، ويكفر البعض منها البعض الآخر يصبح من الضروري أن تخضع علاقات الأكثرية والأقلية إلى قوانين ومقاييس متحركة فكيف تحل القومية هذه الإشكالية ؟ يقول الرفيق المرحوم احمد ميشيل عفلق الإسلام مرتبط بالثورة ، لذلك فرّق بين الإسلام الثوري المعادي للاستعمار والرجعية ، والإسلام " العتيق" الذي يقتصر على العبادة السطحية والمعاني العامة الباهتة ، المهادن للاستعمار والرجعية ، ورأى في الثورة وسيلة لديمومة وجود الأمة العربية من خلال اتصالها الدائم بالإسلام ، فقال (( هذا الاتصال لا يكون بالنقل الحرفي ولا بالتقليد ، وإنما تكتشف هذه الحقائق من جديد من خلال ثقافة العصر ، ومن خلال الثورة والقتال )) ، وأضاف رحمه الله (( يجب أن تتحد الصلاة ( الإيمان ) مع العقل النيّر ( الوعي ) والساعد المفتول ( الثورة ) ، لتؤدي كلها إلى العمل العفوي الطلق الغني القوي المحكم الصائب )) ، ولابد من الاشارة ان الفكر العلماني جاء من الغرب المسيحي لوضع حد للصراعات بين المذاهب المسيحية ، ولم تكن الغاية منه إعلان العداء للإسلام والمسلمين ولم يخطر ببال أحدهم هدف علمنة الشرائع الإسلامية ، بقدر ما كانوا هم بحاجة إلى حل فنشطوا في التفتيش عنه وجاء الحل في وجوب الفصل بين الديني والسياسي لأن مشاكلهم كانت ناتجة عن طغيان رجال الكنيسة في أحكامهم الدينية والدنيوية ، والتي أسبغوا عليها هالة المقدسات ، ولأن المشرق العربي – الإسلامي ، يعاني بشكل أو بآخر ليس فقط من طغيان ديني يمارسه المعممين وامثالهم على حقوق الأقليات الدينية الأخرى ، بل مارست أيضاً طغياناً مماثلاً ، أو أشد قسوة على المتدينين بمذهب إسلامي آخر غير مذهب السلطات الحاكمة ولذا وجدت الثقافة العربية بالفكر العلماني متنفساً فكرياً لحل إشكالية الصراع بين الأنظمة السياسية الإسلامية وتلك الأقليات فالعلمانية بهذا المعنى لم تكن موجَّهَة لحل إشكالية الثنائية الدينية ، إسلامية - مسيحية فقط ، بل كانت لحل الإشكالية الإسلامية – الإسلامية أيضاً ، جاء في احد كتابات المرحوم القائد المؤسس عن الثورة بالانقلاب الذي أحدثه الإسلام في حياة العرب وفي أنفسهم ، وأنَّ سر هذا الانقلاب الإسلامي في الوحي الإلهي ، وليس من البشر ويميز بين حقيقة الدين وظاهر الدين الذي يصل إلى درجة التناقض الحاصل بين الثورة والاستسلام ، ويتساءل (( هل يفكر الشباب في أنَّ الإسلام عند ظهوره هو حركة ثورية ثائرة على أشياء كانت موجودة - معتقدات وتقاليد ومصالح - ؟ وبالتالي هل يفكرون في أنه لا يفهم الإسلام الا الثوريون )) ، وعن مضمون الرسالة الخالدة التي تحدّث عنها المرحوم القائد المؤسس ، كتب الباحث محمد عمارة في كتابه - التيار القومي الإسلامي – {{ بعد الدراسة المتأملة للكتابات الكاملة لميشيل عفلق ، ومنها ما كتبه عن تراث الإسلام الثوري والروحي ، وعن مرجعية هذا التراث في المشروع النهضوي ، مشروع بعث الأمة ، وعن دور التراث – الإسلام - في تمّيز الأمة وتميز نهضتها القومية ، لا يخالجنا أدنى شك في أنَّ الرسالة الخالدة التي عناها ميشيل عفلق هي الإسلام ذاته كثورة وحضارة ميزت الأمة العربية عن غيرها من الأمم ذات الرسالات النسبية التي لها إطلاق وخلود رسالة الإسلام }} وللإسلام عند المرحوم القائد المؤسس دور مركزي في مواجهة التحدي الغربي الحديث للأمة العربية ، وهو سبب عداء أوروبا للأمة العربية ، فيعبر عن ذلك بقوله {{ إنَّ المنافسة بسبب الدور الحضاري الذي جاء به الإسلام ، وليس بسبب الموقع والثروات والمصالح }} ومواجهة التحدي لا تكون بالتبعية للغرب بل بالتميز والاستقلال الذي لا يتحقق إلا بالإسلام الثوري الحضاري ومن ذلك قوله {{ لا نريد لنهضتنا القومية أن تكون مقلدة ، وأن تنقل مجرد نقل من الحضارة الأجنبية }} ، وهذا التمايز يقتضي رفض التبعية للغرب بشقيه الرأسمالي الليبرالي والاشتراكي الشيوعي ، وانتهاج الطريق الذي يعبر عن قيم العروبة والإسلام وبين ذلك الرفيق المرحوم صدام حسين بمخاطبته الكادر الحزبي بقوله {{ وهنا يستخدم عامل الزمن لأغراض التدرج وصولاً للهدف ، ليس بحادية وانما بمنهجية ويلعب الأنسان بإرادته دوراً مركزياً فيها .. ان الظاهرة المرضية التي تضايقك والتي تكون عميقة الجذور والتأثير في أوساط من الشعب بمقدار معين ولكنها قاصرة على قلة منه فلا بأس من أن ندخل المعركة معها ، وتكون جريئاً في دخولها ، وان تعطي خسائر من أجل سحقها ، ولكن اذا كانت الكثرة من شعبك مع تلك القلة من الناس التي تقود الظاهرة المرفوضة ، فعندها يتوجب عليك أن تجيد التصرف دون أن تتخلى عن مسؤوليتك القيادية في العمل والتربية ، وافضل صيغة لذلك هي : أن تلتقط المفاتيح والحلقات المركزية وتترك النهايات مرنة في حركتها ، ما دام التقاط مثل هذه المفاتيح سيؤدي في الدفع وفي الاتجاهات العامة ، في التربية وفي الإجراءات ، الى تحقيق الهدف أو الأهداف التي كنت قد أشرتها في منهجك المرسوم .والفرق بين الوصول الى الهدف على تلك الطريق وبين الوصول اليه على هذا الطريق بخسائر أقل ، هو مجرد عامل الزمن ، وعليك أن تقبل بمراعاة عامل الزمن على ألا يفلت من يديك الزمام ولا تدع الزمن يستخدم لكي يفلت من يديك الزمام فيصبح دورك ثانوياً بدلاً من أن يكون قيادياً }} نظرة في الدين والتراث والتاريخ - حديث الرفيق صدام حسين في اجتماع مكتب الاعلام بتاريخ ١١ / ٨ / ١٩٧٧

يتبع بالحلقة السابعة






الاحد ٨ ذو الحجــة ١٤٤٢ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١٨ / تمــوز / ٢٠٢١ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب زامل عبد نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة