شبكة ذي قار
عـاجـل













إن تلمس البدايات الأولى للبعث كمشروع ثقافي والحزب الذي تأسس لاحقا كأداة لتنفيذ هذا المشروع تكشف موقف المرحوم القائد المؤسس من مسألة العلاقة بين الثقافة والسياسة - تلك القضية التي لا يزال يدور حولها الجدل وسط المثقفين العرب خاصة أولئك الذين يحاولون الهروب من الالتزام بمبدأ ثابت أو عقيدة محددة بحجة الحفاظ على حرية المثقف واستقلاليته - وكان المفهوم السائد للثقافة (( يقترن بالأدب والفكر المجرد والطابع النخبوي المثالي في النظرة الى الحياة كما أن الممارسة السياسية العربية وأحزابها التقليدية وما يكتنفها من مصالح وأنانيات وممارسات لا أخلاقية كانت تعزز هذا الميل للفصل بين الثقافة والسياسة )) ويأتي المرحوم القائد المؤسس ليقلب هذا المفهوم رأسا على عقب ويطرح معنى جديدا للعلاقة بين السياسة والثقافة ، فاضحا الطابع الهروبين والتبريري المجرد للمفهوم السائد للثقافة العربية آنذاك ، ويبدأ المؤسس معركته في عام ١٩٤٣ بطرح السؤال ( كيف يجب أن نفهم الثقافة ؟ ) ويجيب (( هي أولا مشاركة في الجهد وليست انفعالا وتكيفا ( وأن ) على الشعب العربي أن يفهم الثقافة بأنها نوع من أنواع النضال ، النضال مع النفس ، النضال مع الفكر لكي يتعب في تحصيل المعرفة ولكي يجرؤ على تبديل الأسس السطحية في التفكير الشائع التي هي في داخله ، لكونه ابن وسطه ، لكي يعيد النظر في كل الأمور الأساسية حتى يصل الى النظرة الجديدة )) - في سبيل البعث ج ١ ص ١٢٣، ١٢٤ - ويقول أيضا" (( فالثقافة ليست شيئاً جامدا يدخل على الرأس ويستقر وإنما هي حركة وحياة تتفاعل مع الشخص ، تؤثر فيه ، لها حاجات ومطالب ومستلزمات ، ولها وسط تنبت فيه وتتخذ معناها ( فهي ) تعبير عن حياة حقيقية )) - في سبيل البعث ج ١ ص ١٥١ - لهذا فأن الجيل الجديد وكما يراه يشترط وجود فهم معين للثقافة ونوع معين من المثقفين متحررين من وهم الثقافة الاصطلاحية ذلك لأنه لا يريد أن تبقى الثقافة غاية في نفسها ، بل وسيلة لتقويم الأخلاق وتنشئة مناضلين في سبيل البعث العربي ، كما أن العقيدة لا تكتسب مبررها الوحيد – وهي الحرية – إلا إذا استطاعت أن توازن وتعادل القوى الواقعية الفاسدة الراهنة واكثر من ذلك أن تتفوق عليها وتنتصر ولا يمكن أن تنتصر على القوى الفاسدة بالكلام وانما بالعمل الإيجابي ولولا ذلك كما يقول رحمه الله (( لما جعلنا حزبنا منذ اليوم الأول لتأسيسه حزباً سياسيا ويضيف قائلا مازلت أذكر أن الكثيرين ممن كانوا يغارون على البعث أو يظهرون الغيرة عليه أخذوا يتساءلون عندما ظهر الحزب بالقول لماذا اخترتم هذا الطريق وأنتم جماعة مثقفة خيرة ؟ لماذا لا تكونون حركة لنشر الفكر والتبشير ؟ بل ربما كان بعض الأعضاء الذين دخلوا الحركة في أول عهدها قد أخذوا بهذا الوهم أو الخطأ وقد أجبنا المتسائلين بأن الصفة السياسية التي حرصنا على أن تكون أصيلة في الحزب منذ أول تأسيسه ، ومنذ ولادته هي امتحان لجديته ولواقعتيه ، وهي درء لشتى الأخطار التي تتعرض إليها الفئة المثقفة كالخيالية والمثالية والجبن الذي يتستر بالمبادئ وفقدان الرجولة )) - في سبيل البعث ج ٤ ص ٩٨ - ويضيف رحمه الله ولكل ذلك جعلنا السياسة امتحاناً للإيمان والمثالية ، كما يقول ولكن (( لم تكن السياسة غاية في أي حال من الأحوال لأن مصيرنا في هذا العصر يتعين ويتقرر بالفكر والنضال معاً ، إذ أن الميزة التي سمحت لهذا الحزب بأن يقوم بدور أساس في حياة شعبنا كان لأنه جمع الفكر الى النضال كما أن الثقافة يجب أن تكون سلاحا في يد الثورة لأنها تنقل الثورة وتنقل الآمال والأهداف الثورية من حيز العواطف والتمنيات المبهمة الى درجة الوعي الواضح والمنظم والمخطط )) هذا الوعي هو الذي جعل المرحوم القائد المؤسس يرفض أن يكون مجرد كاتب أو أديب أو فيلسوف ينتمي الى النخب الثقافية العربية التقليدية التي كانت منتشرة آنذاك ، لذلك يكتب في مجلة ( الدهور ) في عام ١٩٣٦ قائلا (( إن أصدق مرآة للنفس الإنسانية هي الاعمال ولا أكتمك أنني كلما فكرت أن أكرس نفسي للكتابة أخجل من نفسي )) - الد كتور الياس فرح محاضرات غير منشورة ، مكتب الثقافة والاعلام ١٩٩٣

يتبع بالحلقة الثالثة





الجمعة ٨ ذو القعــدة ١٤٤٢ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١٨ / حـزيران / ٢٠٢١ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب زامل عبد نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة