شبكة ذي قار
عـاجـل













بعد قصف العراق سنة ١٩٩١م، جاء إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش عن انبثاق "نظام عالمي جديد" ليدشن عصراً للهيمنة الأمريكية على العالم وتبني استراتيجية لتفكيك الدول، حيث تبنت مؤسسات السياسة الخارجية والصحافة والإعلام ومراكز البحوث فكرة إلغاء سيادة الدول، عبر التمهيد لفرض نموذج التحديث الغربي على العالم وتصفية حرية واستقلال الدول.وتنبأ دعاة فكرة اللادولة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، باقتراب نهاية التاريخ وانتصار الليبرالية، حيث تندمج الأمم والشعوب في حياة استهلاكية ضمن نظام العولمة الرأسمالية وانفتاح التجارة الدولية.

ثم كشفت الولايات المتحدة الأمريكية، في التاسع من أيلول سنة ٢٠٠٣م بعد احتلال العراق عن حقيقة ادعاءاتها المضلِّلة في بناء الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، لتغطية اهدافها الحقيقية في الاستيلاء على مكامن الثروة النفطية والمعدنية.فبعد أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة ١٩٩٠ - ١٩٩١م بفرض حرب مدمرة وحرب استنزاف عبر الحصار الاقتصادي والسياسي والعسكري الشامل على الشعب العراقي والذي أدى إلى تدميرالبنية التحتية والقدرات الدفاعية للبلاد وسبب وفاة مئات الالوف من الأطفال والنساء والشيوخ، مما مهد وبفعل التطور التكنولوجي للحرب الالكترونية وبمساندة الشركات الاحتكارية للنفط، إعلان احتلال جمهورية العراق البلد المستقل والعضو المؤسس في هيئة الأمم المتحدة، بما يخالف صراحة مبادئ وقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ويشكّل انتهاكاً صارخاً لولاية مجلس الأمن الدولي في حفظ الامن والسلام الدوليين.

لقد كشف احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، للرأي العام الدولي وللمنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان والمناهضة للحرب ولجميع الدول المحبة للسلام والتحرر عن بشاعة حرب الإبادة العنصرية التي استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة المحرّمة دولياً كالفسفورية والعنقودية واليورانيوم المنضَّب، وهي جرائم حرب وإبادة ضد الإنسانية.وخلال سنوات الاحتلال الماضية تم تغيير التركيبة السكانية للعراق من خلال إبادة أكثر من مليون مواطن اما بالقتل المباشر أو عبر إشعال الحروب الطائفية والعرقية التي غذتها دول الجوار وساندتها المليشيات الطائفية مما أدى لتهجير وتشريد ٥ ملايين مواطن داخل المخيمات وهجرة ٤ ملايين عراقي ينتشرون في ٦٤ بلداً في العالم، وتدمير اكثر من ٨٠% من مدينة الموصل والمدن الغربية من العراق، ويعيش اليوم ٥.٧ مليون يتيم ومليونين ارملة في العراق لتصبح التركيبة السكانية للبلاد متوافقة مع النسب العرقية والطائفية الواردة في البيانات المضلِّلة لتشويه الطبيعة السوسيولوجية للشعب العراقي وتبرير استراتيجيات الهيمنة والسيطرة على كامل احتياطيات الثروة النفطية في الوطن العربي والتي تبلغ ٦٥% من احتياطي النفط العالمي.

فبعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م تبنّت الإدارة الأمريكية نظرية الحرب الوقائية وشنّت في إطارها ما سمته "الحرب على الإرهاب" التي أدخلت المجتمع العراقي شيئاً فشيئاً إلى الفوضى والحرب الأهلية الطائفية، ولكن كما قالت صحيفة سبيكتاتور الكندية :

إذا اتفقنا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يديرها أغبياء "ينبغي على المرء الاستنتاج إن الفوضى والفقر والحرب الأهلية في العالم الإسلامي، ليست نتائج غير مقصودة، بل هي بالضبط أهداف السياسة الأمريكية".إن خطة تقسيم العراق عرقياً وطائفياً موجودة قبل احتلاله تطبيقاً لاستراتيجية بلقنة وتفكيك الوطن العربي.

لقد دعا المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية منذ ٢٣ نوفمبر ٢٠٠٣م، لتفكيك ما اسماه "دولة العراق غير الطبيعية" بحجة تنوعه العرقي والديني والطائفي، متناسياً ان اغلب دول العالم تحتوي على مثل هذا التنوع، وفي إطار ذات التحليل النمطي، اعتبر المحلل السياسي مايكل كلير إن العراق هو : "دولة مفبركة من اجل تسهيل الاستيلاء على النفط في المنطقة وان البريطانيين خلقوا مملكة العراق الخيالية".وبتبنيه منطق الإدارة الأمريكية الكاذب للاحتلال، عزا مايكل كلير ظهور المقاومة السياسية الوطنية بأنها الرغبة في الحصول على حصة في عوائد النفط في التقسيم المستقبلي للبلاد.وما لم يفكر فيه هو : إن تكون المقاومة قائمة ليس لأسباب طائفية، بل بسبب الروح الوطنية العراقية والإيمان بحق الشعوب في تقرير المصير واختيار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بعيداٌ عن فرض النماذج الغربية الليبرالية أو سلطة ولاية الفقيه الثيوقراطية والمبنية على الخرافات وتكفير من لا يؤمن بها.

استراتيجية تفكيك العراق
بدأ التحضير لمحاولات تفكيك العراق مباشرة بعد الحرب في سنة ١٩٩١م مع فرض مناطق حظر الطيران في الشمال والجنوب، وبمعاونة الإعلام الغربي الذي بدأ يتحدث عن البلاد بصفتها ثلاثة أقسام معادية لبعضها البعض.وفي الأيام الأولى للاحتلال سنة ٢٠٠٣م، بدأت خطوات تنفيذ استراتيجية تدمير

المجتمع العراقي التي دشّنها الاحتلال بحملة النهب المنظَّم للمتاحف التي فقدت ١٧٠ ألف قطعة، وتدمير الأرشيف الوطني وجميع سجلات المتاحف وحرق المكتبات والوثائق ونهب الكنوز التاريخية للنمرود وغيرها من البنك المركزي العراقي.إلى جانب التهريب المنظم للآثار من اوروك ونمرود ونينوى ومسجد النبي يونس.ولضمان التعتيم على تدمير الذاكرة العراقية عُين بول بريمر بمنصب الحاكم المدني الأمريكي للعراق، الذي حل الجيش والمؤسسات الوطنية المهمة إضافة إلى نهب ٩ مليار دولار من عائدات النفط العراقي.وباشر بول بريمر بتأسيس جيش عراقي جديد لا يمثل طبيعة التنوع الوطني العراقي، وفي هذه الأثناء بدأ قتلة مجهولون في اغتيال الأكاديميين والعلماء وقادة وضباط الجيش الوطني لتدمير مكامن قوة البلاد واضعاف الذاكرة والوعي والفكر لابنائها.

ومن المؤكد إن مشكلة التحكم بموارد الطاقة، تحتل اليوم أولوية خاصة في استراتيجية الدول الصناعية الكبرى، خصوصاً مع اقتراب مشكلة تدني معدلات الإنتاج النفطي العالمي التي تهدد في إضعاف القوة الأمريكية.لذا جاءت الذرائع وحملات التضليل التي مهدت لشن الحرب على العراق لتؤكد استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية بعدم السماح ببقاء العراق، الغني باحتياطيات النفط والغاز والكبريت والفوسفات، دولة مستقلة في أهم بقعة استراتيجية في العالم.ولكن فشل الإدارة الأمريكية امام ضربات المقاومة الوطنية الباسلة للاحتلال دفعها للتفكير باللجوء نحو خطة لتفكيك العراق، بما يتفق مع الأفكار التي اقترحها عوديد ينون، المستشار السابق للمجرم آريل شارون والتي نُشِرت باللغة العبرية، التي تستهدف تفكيك الدول المستقلة القائمة، إلى دويلات ضعيفة أقرب إلى المحميات.
وفي هذا الإطار كتبت ديانا جونستون : "في التسعينيات لم يعد المجتمع الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة مهتماً ببناء الأمم، بل أن تدمير الدول كان هو الشكل المناسب للتوافق مع متطلبات العولمة الاقتصادية".ولتحقيق هذه الأهداف في يوغسلافيا كما في العراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان،

تحالفت واشنطن مع "مفككي الدول والمليشيات الطائفية"، تحت نظرية ترى : إن التوترات العرقية والطائفية سوف تتصاعد بصورة تلقائية عند غياب الدولة وانعدام النظام وسلطة القانون.ولهذا السبب عمدت الإدارة الأمريكية إلى ترك العراق ليتحلَّل إلى مكوناته العرقية والدينية - الطائفية، تحت مظلة نظرية الفوضى "الخلاقة" لكونداليزا رايز، بعد جريمة الغزو الأمريكي - البريطاني غير المشروع للعراق سنة ٢٠٠٣م، والذي يُعد انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي ولميثاق الامم الأمم المتحدة، لاحتلال وتدمير دولة ذات سيادة، تحت مجموعة من الادعاءات الملفقة عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل التي تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.

لقد اثبتت الاحداث ونشاطات فرق التفتيش منذ سنة ١٩٩٢، عدم وجود برامج لإنتاج أسلحة الدمار الشامل في العراق، وهذا ما تم توثيقه من قبل تلك الفرق التابعة للأمم المتحدة، وامتناع مجلس الامن الدولي عن إجازة مشروع الحرب على العراق وتهديد الرئيس الفرنسي جاك شيراك باستخدام الفيتو.ورغم ذلك وبعد الاحتلال الأمريكي، عملت الادارة الامريكية على تفكيك مؤسسات الدولة الدفاعية والأمنية وفتحت الحدود امام المنظمات الإرهابية لتحويل العراق الى مسرح للعمليات العسكرية في مواجهة القاعدة، وتبنت سياسات لتدمير الاقتصاد العراقي وتفكيك المجتمع ، حيث تصل الديون العراقية الى ١٣٤ مليار دولار والعجز المالي ١٠٠ مليار دولار، وكلفة إعادة البناء للمدن المدمرة يتجاوز ٤٠٠ مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي في حينها، كما يعاني اكثر من ٦ ملايين يتيم بجانب مليوني ارملة من ظروف معيشية قاسية، ويعيش ٤ ملايين عراقي في المدن العشوائية، ويتشرد الملايين داخل وخارج العراق بسبب الحروب والعنف وانتهاكات حقوق الانسان والتغييب القسري لأكثر من ١٢ ألف مواطن في السجون السرية للكتائب والمليشيات المسلحة وفق بيانات هيومن رايتس ووتش.

ولقد ادرك الشعب العراقي كل ذلك فثار ضد هذا الظلم والتعسف والفساد لذا فالمطلوب اليوم من جميع الدول العربية دعم ثورة ابناء العراق وقضية تحرير العراق من الاحتلال الايراني الامريكي المزدوج و التضامن في مواجهة الإرهاب والمليشيات والتطرف والحروب الدموية التي عصفت بالمجتمع العراقي والعربي، واستنزفت الموارد الاقتصادية والقدرات العسكرية مما يتطلب البحث عن شراكة اقتصادية عربية تضمن المقومات الاساسية للامن القومي ومواجهة التدخل السافر من ايران في الشان العراقي والعربي والتي تشكل انتهاكاً للأمن القومي العربي ولميثاق الأمم المتحدة ، وكذلك السعي لتوفير فرص حقيقية للتنمية والتطور لمواجهة اتساع الفقر والبطالة والامية.

المطلوب من جميع القوى والنخب العربية على صعيد الدول والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الارتقاء الى مستوى التحديات والأزمات لانقاذ العراق من خلال ترسيخ ثقافة التسامح والتعايش واحترام الأخر ونبذ الفلسفة الاقصائية والتفرد والاستبداد التي يمارسها الاحتلال الايراني ومليشياته في العراق، وضمان تطبيق مفاهيم ومبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية الحقيقية وليس الزائفة، وتبني سياسات اقتصادية نزيهة تحفظ الموارد لابناء العراق من النهب والسرقة والفساد المستشري والذي يستنزف البلاد والمواطن ويدفعها الى المجهول وبما يهدد امن واستقرار الوطن العربي برمته.






الاحد ٢٨ شعبــان ١٤٤٢ هـ   ۞۞۞  الموافق  ١١ / نيســان / ٢٠٢١ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب مكتب الثقافة والاعلام القومي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة