شبكة ذي قار
عـاجـل













لم تتوقف الجرائم التي ترتكب بكامل الأصرار والترصد في العراق منذ الأحتلال عام ٢٠٠٣ ولحد الآن، إنما أتخذت أشكالا وأنماطا أكثر إتقانا وحرفية وتساوقت مع مراحل التخطيط الأمريكي الأيراني تبعًا لمنهج كل منهما على أرض العراق :

فقد أعدت إيران ومليشياتها ( بدر ) منذ بداية الأحتلال قوائم بأسماء العسكريين العراقيين على مستوى القادة والآمرين ورتب أخرى مهمة، للتصفيات الجسدية .. وشملت هذه القوائم كوادر أجهزة الأمن الوطني والحزب والناشطين من أحزاب وطنية أخرى .. كما شملت العلماء والخبراء والفنيين والأكاديميين العراقيين .. والهدف : إنتقام فارسي أولاً وإفراغ العراق من كوادره القيادية الوطنية ثانيا.

كما توزعت الجرائم على مستوى القطاعات الجغرافية وتبعا للمكونات المذهبية والأثنية القاطنة في تلك المناطق، حيث تم تسويرها بأسيجة سمنتية للفصل العنصري والطائفي ولأغراض إحكام الأغتيالات والتفجيرات، والضحايا من المواطنين بالآلاف.وتحمل هذه الجرائم سمتان أساسيتان، الأولى : تصفيات مرسومة ومؤكدة، والثانية : تفريغ شحنة الصراعات السياسية بين القوى التي تدير العملية السياسية الفاشلة.

موجة الأعدامات المتسلسلة الهائلة تتم، تحت دعوى الأرهاب، شملت شرائح معينة تبعا للمذهب والهوية وعلى وفق الفقرة ( ٤ ) إرهاب، فيما استمرت معدلات التصعيد وزج المواطنين في السجون الرسمية والسرية وسجون المليشيات التي تعرفها حكومة بغداد التابعه لإيران.فكلما تصاعد صراع الأحزاب الحاكمة كلما غصت هذه السجون بالمواطنين الأبرياء، في الوقت الذي تزداد فيه معدلات حالات الأغتصاب التي طالت العديد من نساء العراق، فضلا عن الأحتجاز والأعتقال القسري.

لقد أتخذت جرائم القتل شكل الأبادة الجماعية بطريقة القصف الهمجي العشوائي على المدن والقرى والأحياء السكنية.هذا القتل الجماعي المستمكن بإحترافية بالغة يتبعه تهجير بالجملة ويرافقه نسف البيوت وحرق المحال التجارية والمزارع ومن ثم نهب الممتلكات الخاصة والعامة، ما يزال الأسلوب الأيراني الذي تتبعه علانية مليشيات ( الحشد الشعبي ) التابعه رسميا للنظام الأيراني، وقوات نظام المنطقة الخضراء وأجهزة أمنها وشرطتها والذين يشاركونها من الحرس الأيراني والمستشارين الأيرانيين، تحت غطاء حكومة الأحتلال في بغداد.وأحداث الموصل المروعة تشهد على جرائم الأبادة الجماعية وجرائم ضد الأنسانية، فيما المجرمون طليقون دون حساب أو عقاب.

مَنْ الذي يحاسب المجرمين على جرائمهم؟ من هي الجهة الرسمية الدولية التي تضع حدًا للجرائم التي ترتكب في العراق وغيره؟

وقبل الأجابة يتعين التذكير بالأتفاقيات والمعاهدات الدولية، التي تخول جهات الأختصاص والمحاكم ممارسة الصلاحيات للبت في حيثيات الجرائم ضد الأنسانية وجرائم الأبادة الجماعية التي ترتكب، ومن ثم تحديد الجهة الدولية ذات الأختصاص في مثل هذه الجرائم :

- هنالك إتفاقية الأبادة الجماعية والمعاقبة عليها، التي تم التصديق عليها بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ( ٢٦٠ ) في ٩ / كانون أول ١٩٤٨، وهي سارية المفعول وفقا لأحكام المادة ( ١٣ ).

- وإتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الأنسانية، هذه الأتفاقية أعتمدت وصودق عليها بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ( ٢٣٩١ ) في ٢٦ تشرين ثاني ١٩٦٨، وهي سارية المفعول وفق احكام المادة ( ٨ ).

- وإتفاقية التعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم ومعاقبة الأشخاص المذنبين بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الأنسانية.اعتمدت الأتفاقية بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ( ٣٠٧٤ ) في ٣ / كانون أول ١٩٧٣، وهي سارية المفعول.

- ونظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية، أعتمد هذا النظام من قبل مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي بتاريخ ١ / حزيران ٢٠٠١ وفق المادة ( ١٢٦ ) من الديباجة الخاصة بالنظام.
- القواعد الأجرائية وقواعد الأثبات الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية، التي اعتمدت من قبل جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساس للمحكمة في دورتها الأولى المنعقدة في نيويورك للفترة ٣ - ١٠ / أيلول ٢٠٠٢.

- أركان الجرائم الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية، التي اعتمدت من قبل جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساس في نيويورك خلال الفترة ٣ - ١٠ / ايلول ٢٠٠٢.

من يتولى تنفيذ متطلبات ملفات جرائم الحرب وجرائم ضد الأنسانية والأبادة الجماعية ؟ من يفصل في هذه القضايا على أساس الحق والعدل والأنصاف؟ :

- محكمة الجنايات الدولية : تتميز بكونها دائمة وإن إختصاصها يقتصر على الأشخاص والجماعات الذين يرتكبون أشد الجرائم خطورة، والذي يعد إرتكابها مساسا بوجود المجتمع الأنساني، فهي على هذا الأساس لا تختص بمقاضاة الدول، عكس ( محكمة العدل الدولية ) التي تفصل في النزاعات بين الوحدات السياسية الأعضاء في الأمم المتحدة.

محكمة الجنايات الدولية كفلتها الاتفاقيات الدولية وخاصة إتفاقيات جنيف والبروتوكول الأضافي الأول إذ حددت اختصاصها في أن الفرد او المجموعات التي ترتكب أعمال الجريمة تخضع لأحكام المحكمة وليس الدولة، إنطلاقا من السوابق التاريخية، التي أقرتها معاهدة ( فرساي ) ، حيث مرتكب الجريمة ( الفرد أو المجموعة ) مسئول جنائيا وليس الدول بأعتبارها شخصا معنويا.

- الأهم في هذا، إن النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية يقر المسؤولية الجنائية للقادة ( السياسيين والعسكريين ) الذين يصدرون الأوامر إلى الأفراد أو القوات المسلحة بأرتكاب الجرائم أو التحريض عليها ( كل من أعطى أمرا أو أغرى أو حرض أو ساعد أو قدم العون أو ساهم في إرتكاب الجرائم، وخاصة حين ترتكب جرائم الحرب في إطار خطة أو سياسة خاصة أو عامة أو في عملية إرتكاب واسعة النطاق وفق نص المادة ( ٨ ) من النظام الأساس ) - وهذا ينطبق على الأوامر التي أصدرها ( نوري المالكي ) للقوات المسلحة وتعدادها ( خمس فرق من الجيش وفرقة واحدة من الشرطة ) بالأنسحاب أمام ( ١٥٠ ) مسلح من داعش قادمة من سوريا، وترك أسلحتها ومدرعاتها ومدافعها ومخازن ذخائرها وعدم مجابه تلك العصابات المهاجمة، الأمر الذي تسبب في كارثة الموصل والرمادي وبيجي حتى ضواحي العاصمة بغداد ، التي أدت إلى الآف الضحايا تنفيذًا لأوامر طهران، فضلاُ عن تحمل قوى السلطة في بغداد دون إستثناء كامل المسؤولية الجنائية عن فلتان الأمن وجرائم مليشيات الأحزاب والحشد الشعبي الطائفي، والآف السجناء والمعتقلين والذين أعدموا خلافا لمتطلبات ومواصفات التحقيقات الجنائية العادلة -.

- تصنف جرائم الحرب ( القتل العمد والتعذيب والمعاملة اللآإنسانية وتعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم وتدمير واسع للممتلكات والأستيلاء عليها والتعمد في توجيه هجمات ضد المدنيين والمواقع المدنية أو ضد الموظفين أو المنشأت الخاصة بمهام المساعدة الأنسانية والأستمرار المتعمد في هجوم يسفر عن خسائر بشرية ومادية ).

- هنا ، تسقط حصانة المنصب الرسمي للقادة والمسؤولين أمام المسئولية الجنائية، سواء كان رئيسا أو قائدا عسكريا أو مسئولاً حكوميا أو جنديا في القوات المسلحة أو مواطنا عاديا، كما يعتبر الرئيس مسئولا عن الأفعال غير المشروعة لمرؤسيه على وفق مبدأ محكمة الجنايات الدولية.

أما محكمة العدل الدولية : فهي تختص، كما أسلفنا، بالنظر في المنازعات بين الدول حول انتهاكات أحكام القانون الدولي، وهي مسؤولة عن تحديد المسؤولية الجنائية، التي تقرر الجزاء القانوني بحق الدولة المنتهكة لقواعد القانون الدولي بأعتبارها الأداة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة.

هذا الأستعراض المكثف بشأن الأتفاقيات الدولية التي تحكم في جرائم الحرب وجرائم ضد الأنسانية والأبادة الجماعية والجهات المتخصصة في حسم ملفات الجرائم والنزاعات الدولية والأختصاصات الثابتة والمعلنة التي تتولاها هذه المحاكم ، وهما ( محكمة الجنايات الدولية ) و ( محكمة العدل الدولية ) ، يدفع إلى التسائل : لماذا لا يصدر مجلس الأمن الدولي نظاما أو إقراراً أساسيا لمحكمة الجنايات الدولية للعراق وسوريا حصرا على غرار نظام ( رواندا ) لعام ١٩٩٤ لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الأنسانية ؟ حيث حدد الأختصاص بمقاضاة الأشخاص والجماعات المسؤولة عن جرائم هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد أية مجموعة من السكان المدنيين لأسباب قومية، سياسية، إثنية، عرقية أو دينية.وهذا ينطبق تماما على الجرائم التي أرتكبها ( الحشد الشعبي ) في جرف الصخر وديالى وبيجي والفلوجة والرمادي وتل أعفر والموصل، حيث المادة ( ٧ ) من النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية :

ولغرض هذا النظام الأساس، يشكل أي فعل من الأفعال التالية جريمة ضد الأنسانية ( متى ارتكب في اطار هجوم واسع النطاق او منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم، القتل العمد والأبادة والأسترقاق وإبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، السجن او الحجر والأعتقال والتعذيب والأغتصاب الجنسي أو أي شكل من أشكال العنف، وإضطهاد أية مجموعة محددة من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو دينية أو متعلقة بنوع الجنس ).

عند اتساع معدلات الجائم وتحولها إلى ( ظاهرة ) تمارس خلالها الأنتهاكات وتستباح فيها الحرمات، عندها تدعو الحاجة الملحة إلى التدخل الفوري لمنع إتساع الجرائم أولاً وتأكيد عدم افلات المجرمين من العقاب مهما تقادمت الجرائم ضد الأنسانية ، وهو الأمر الذي يتوجب أن يستثار مجلس الأمن على التدخل الفوري في تشكيل محاكم لجرائم العراق وسوريا واليمن وليبيا وأية انتهاكات تدخل دائرة الظاهرة التي تؤثر على وجود المجتمع الأنساني والسلم الأجتماعي بالتالي على الأمن والسلم الدوليين.وهذا يتطلب أن تقدم الحكومات العربية والأجنبية والشخصيات القانونية طلباتها بإستحداث محاكم جنائية دولية للنظر في ظاهرة جرائم ضد الأنسانية وتحديد المجرمين ومقاضاتهم وفقا للملفات الثبوتية المدعومة بالأدلة والقرائن والشهود ، تتولى التحقيق في العراق وسوريا واليمن وليبيا، حيث يأتي الضغط من تحرك منظمات المجتمع المدني والمنظمات المحلية والأقليمية على الحكومات المعنية لهذا الغرض.

فعلى منظمات حقوق الأنسان ومنظمات المجتمع المدني والقوى الوطنية الحية ان تبادر بثلاث إتجاهات، الأول : الطلب من محكمة الجنايات الدولية استعراض ملفات الجرائم وقبولها كجرائم ضد الأنسانية، والثاني : الضغط على حكوماتها لغرض الطلب رسمياً من مجلس الأمن الدولي اتخاذ ما يلزم على وفق مهمته الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، التي تقتضي توجيه أو مطالبة محكمة الجنايات الدولية النظر في الملفات الجرمية المتعلقة بالجرائم ضد الأنسانية التي تقترف في العراق وسوريا وليبيا واليمن، والثالث : أن تتبنى جامعة الدول العربية مثل هذا الطلب بصورة مماثلة وفتح قنوات إتصالات رسمية مع الأمم المتحدة وخاصة مجلس أمنها، وإعتبار هذا الطلب من المهام العاجلة غير القابلة للتأجيل وحق من حقوق الشعوب غير القابلة للتصرف ولا تسقط بالتقادم.!!







الاحد ١٦ رجــب ١٤٤٢ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢٨ / شبــاط / ٢٠٢١ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب د. أبا الحكم نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة