شبكة ذي قار
عـاجـل













الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي منّ علينا بِمحمَّد نبيهِ صلى الله عليه وآله دون الأمم الماضية والقرون السالفة، بشيراً ونذيراً، وهادياً ودليلاً، ومربياً ومعلماً، ومزكياً ومنقذاً ومحرراً، الحمد لله القائل في كتابه الكريم : { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ، ونشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار، ورضي الله عن أصحابه جميعاً، وعلى من سار على نهجه إلى يوم الدين.

وُلِدَ الهُدى فالكائِناتُ ضِياءُ وَفَمُ الزمانِ تَبَسُّمٌ وثَناءُ
الروحُ والمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ لِلدينِ والدُنيا بِهِ بُشَراءُ

في هذه الأيام العظيمة تمر ذكرى مولد سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم المناسبات الإسلامية، والتي جعلت مناسبة يقدم فيها أرقى صور الوفاء، وأعلى درجات الولاء، وأنقى آيات المحبة لرسول الله صلوات الله عليه وآله، ويجسدها في أبهى مظاهر الاحتفاء بمولده الشريف، وقد جعل منها محطة توعوية وتنويرية، ومحطة تعبوية روحية معنوية؛ لأنها غنية بالدروس والعبر، وغنية بعطائها التربوي والمعنوي والمعرفي، وتعيدنا إلى خط الأصالة في الاقتداء برسول الله صلوات الله عليه وآله، والتمسك بنهجه، والاتباع له، والعودة إلى عناصر القوة التي نحتاجها لمواجهة التحديات والأخطار، وهذه العناصر تتمثل في أسس هذا الدين العظيم، وفي منهجه المبارك، وفي نبيه العظيم صلوات الله عليه وآله؛ فصار واجباً علينا أن نشكر الله على أعظم نعمه علينا وهي نعمة الهداية التي علمنا الله تعالى أن نطلبها في كل صلاة ونحن نردد قول الله : { اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ.صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } ؛ لأن فلاح الإنسان وسعادته وفوزه في الدنيا والآخرة مرتبط بالهداية، كما قال تعالى : { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } وقال : { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } ؛ وأخطر شيء على الإنسان هو الضلال الذي تكون عاقبته الشقاء والخسران في الدنيا والآخرة، ومصدر الهدى هو الله تعالى الذي قال : { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى } ، فهو الذي أنعم على عباده بالرسل والأنبياء وورثتهم من أعلام الهدى، وبالكتب السماوية التي جعل الله القرآن الكريم هو المهيمن عليها، والذي احتوى في مضمونه الهداية الإلهية في كل الكتب السابقة، وقال الله عنه : { ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } ، وكذلك كان الرسول صلوات الله عليه وآله هو الوارث للأنبياء السابقين والحامل لكل هدايتهم، والذي حمل من الكمال البشري ما لم يصل إليه أي بشر قبله، ولن يصل إليه أي بشر بعده، وحمل هداية البشرية كمهمة أساسية قال الله عنها : { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وقال : { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا }.

عندما نشاهد الواقع البشري المليء بالأزمات والمشاكل والمعاناة، بما فيها حتى البلدان التي تمتلك إمكانات مادية، نجدها تعيش مشاكل اجتماعية، ونجدهم في الوقت الذي بنوا فيه ناطحات السحاب دمّروا الإنسان واستهدفوه نتيجة الإفلاس الأخلاقي والخواء الروحي والطغيان المادي الذي يجعل الكثير منهم يشعرون بالعبثية والضياع وانعدام الإحساس بالكرامة والتفكك الأسري وانتشار الجريمة، مما يدفع بالكثير منهم إلى الانتحار وبنسب عالية ومخيفة في بلدان الغرب، وهل كل ذلك إلا ما قال الله عنه : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } ، وفي مجتمعنا الإسلامي نعاني من المشاكل والأزمات بمقدار ما ضيعنا من أسس ومبادئ وتعاليم مهمة جداً في رسالة الإسلام، ولذا علينا أن نعود إلى هذه المبادئ والأسس، وأن نستحضرها في واقع حياتنا، وأن نعرف النسبة المحرفة مما قُدمَ باسم الدين وليس من الدين، ومما كُذب به على رسول الله صلوات الله عليه وآله، ونعرف الجانب المغيب والضائع من هذا الدين وهذه الرسالة من الأسس المهمة التي تُصلحَ الحياة وتحقق العدل وتسمو بالإنسان وتعالج الكثير من المشاكل والأزمات.

البعض يغيب عن حساباتهم أن هناك عناصر قوة في المشروع الإلهي تتفوق وتتغلب على كل التحديات، بما يمتلكه من مبادئ وقيم وأخلاق وشرع وحلال وحرام ومواقف، وباعتباره منظومة متكاملة، وعندما نعود لننظر على ماذا أسس النبي صلوات الله عليه وآله الأمة؟ نجده قد أسسها على أسس مهمة؛ فكان مبدأ التوحيد أساساً بنى عليه كل شيء، وبنى عليه المبادئ الأخرى : كالقيم والأخلاق، وبُنيت عليه مسيرة الحياة في الالتزامات العملية، وفي الحلال والحرام كنظام وكمنهج في الحياة، وأساساً للتوكل على الله والثقة بالله والاعتماد على الله، وأساساً للاستقلال لهذه الأمة، لكي تنشأ بعيدة عن التبعية للأقوام الأخرى، فكان مجتمع المدينة ـ الذي جعله الرسول صلوات الله عليه وآله نواة للأمة ـ مجتمعاً تخلى عن كل ما كان عليه من خرافات وأساطير وعقائد ضالة وأفكار خاطئة ومفاهيم باطلة وعادات وتقاليد سيئة وسلوكيات منحرفة؛ فترك كل ذلك واستأنف حياته من جديد وارتبط بالمنهج الإلهي ليكون هو العقيدة والمبدأ، والمنهج والنظام الذي يعتمد عليه ويبني حياته من جديد على أساسه، ووفق تعليماته، ثم أتجه ذلك المجتمع حاملاً الرسالة الإلهية، مؤمناً بها وثابتاً عليها، ومناصراً لها، فارتقوا من أمةٍ أميَّة، تعيش حالة الانحطاط الأخلاقي، والإفلاس الإنساني، وتئِدُ البنات، إلى أمةٍ متحضرة، واحتلوا الصدارة بين كل الأمم، وحملوا رسالة الله، وأشرف مسؤولية، وكانوا كما قال الله تعالى : { لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، وشيئاً فشيئاً توسعت دائرة الأمة التي تحمل المشروع الإلهي، وانتقل بهم الإسلام، وانتقل بهم القرآن، وانتقل بهم الرسول نقلة عظيمة من الحضيض إلى الصدارة، وانتقل بهم المشروع الإلهي إلى أمةٍ تحمل مشعل الحضارة الحقيقية، وأمة جديرة بقيادة البشرية، وفي فترة لا تتجاوز ثلاثة وعشرين عاماً غير الرسول كل واقع الأمة، وتهاوت كل قوى الطاغوت والاستكبار، وتمكن من تغيير واقع البشرية.

إن رسول الله صلوات الله عليه وآله أعظم معلم للبشرية جميعاً، وإن مشروعه الإلهي أعظم ثورة على الواقع السيء الذي كانت تعيشه البشرية، وعندما نرى العالم يحتفل بذكرى قائد من القادة فإننا نرى في رسول الله أعظم قائد عرفه التاريخ من كل الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية وغيرها، وعندما يحتفل العالم باليوم العالمي لحقوق الإنسان فإننا نرى أن حقوق الإنسان لم تأتِ إلا من عند الأنبياء وأعظمهم نبينا محمد صلوات الله عليه وآله.

وبالتالي يكون نبينا محمد هو الأجدر بأن نحتفل به من كل الاعتبارات.

إن علاقتنا برسول الله صلوات الله عليه وآله قائمة على أساس التعظيم والاتباع والحب والتمسك والطاعة المطلقة، كما قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ، يجب أن نطيع رسول الله ونقتدي به في أخلاقه، وفي تواضعه، وفي صبره، وفي حرصه على هداية الأمة، وفي عطفه وإحسانه إلى المستضعفين ونقتدي به في جهاده، وفي عزته وإبائه، وفي رحمته بالمؤمنين، وفي شدته على الكافرين، وفي مواقفه القوية الناتجة عن ثقته بالله وبنصره وتأييده، وهو يشدنا إلى الله ويربطنا بالقرآن ويبين لنا خط النجاة ويربطنا بعترته أهل بيته الناهجين نهجه والسالكين مسلكه.

نحن نتخذ من الرسول صلوات الله عليه وآله قدوة لنا، وقائداً ومرشداً ومعلماً وهادياً لنا إلى سبيل الله وصراطه المستقيم، وقد بيّن لنا القرآن مواصفات أتباع الرسول صلوات الله عليه وآله التي يجب أن تتجسد فينا فقال تعالى : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ }.

إن الأمة اليوم في أمسّ الحاجة إلى العودة إلى النبي صلوات الله عليه وآلة، لتستلهم من حياته وسيرته ومواقفه وصبره وجهاده ماهي بحاجة إليه في وضعها الحالي، والعودة إلى الرسالة الإلهية التي تحظى بالرعاية والتأييد والنصر الإلهي كما قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } ، وباعتبارها صلة مع الله تعالى، فهي ليست منهجاً يُقدم للناس ثم يُتركون، بل هو منهج يقوم على قاعدة ( إِنَّ اللّهَ مَعَنَا ) ، ومثلما كان مع الرسول صلوات الله عليه وآله؛ فهو مع من يحمل هذا المشروع ويؤمن به ويلتزم به، فثوار تشرين موقفهم اليوم يمثل امتداداً للمسيرة النبوية في المنهج والقيادة والأمة، ورفضاً للظلم والاستبداد.

نبينا محمد هو قدوتنا الأول وهو أسوتنا العظيم الذي نستلهم في ذكراه من عزمه وإيمانه وثباته في مواجهة كل التحديات يوم أن قال : ( والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ) ، ونحن شعب العراق وأحفاد علي والحسين، لن نتراجع عن مبادئنا العظيمة والمقدسة، وحريتنا بالنسبة لنا مبدأ إيماني لو تنازلنا عنه خسرنا إيماننا وإسلامنا.

لقد حمل أجدادنا لواء النصرة للإسلام والنصرة للرسول صلوات الله عليه وآله، ونحن في هذا العصر سنبقى حاملين لواء الجهاد حتى يتحرر عراقنا الأبي، وسنسلمه للجيل الآتي من بعدنا، وقد شهد لنا العدو قبل الصديق أننا أصبحنا الرقم الأصعب في مواجهة طاغوت العصر.

اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، اللهم انصر الثوار الأحرار، واقمع أهل الشرك والعدوان والفساد، وانصرنا على من بغى علينا : أئمة الكفر أمريكا وإيران، وكل من حالفهم وعاونهم يا رب العالمين { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }.





الخميس ١٩ ربيع الاول ١٤٤٢ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٠٥ / تشرين الثاني / ٢٠٢٠ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب زهراء الموسوي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة