شبكة ذي قار
عـاجـل










٥ - اذا كيف نفسر نشوء اسرائيل الغربية وبقاءها طوال سبعة عقود؟ لنتذكر ما يلي :

أ - الاستعمار البريطاني اسس الصهيونية في عام ١٨٩٧ واصدر وعد بلفور الذي جعل فلسطين ( وطنا قوميا لليهود ) !ولم تكن بريطانيا ولا امريكا فيما بعد تخفيان حقيقة ان اقامة كيان صهيوني في قلب الوطن العربي هدفه حماية المصالح الاستعمارية الغربية وقام بقوتها وليس لوجود مقومات موضوعية لقيامه.

ب - النزعة الارادية في الفلسفة التي تنسب للارادة البشرية القدرة على صنع واقع وادامته هي التي طبقت في مجال هو الابعد عن صحتها وهو الهوية القومية،الغرب والصهيونية كانا يعلمان بان الهوية القومية لاتصنع بأرادة بشرية في بضعة عقود لان التاريخ يؤكد وبحسم بانها لاتتبلور الا بعد تفاعلات الاف السنين،وفي الحد الادنى قرون، واليهودية ديانة ولم تكن قومية ابدا،التوراة وبقية الكتب اليهودية القديمة تؤكد ذلك، ورغم هذا ظهر المشروع الصهيوني كما ظهرت قبله مشاريع استعمارية اوربية تمثلت في اقامة دول بمواطنين اوربيين في جنوب افريقيا واستراليا وامريكا الشمالية ونيوزيلندا حيث اراد الاوربيون اقامة دول لهم هناك رغم وجود سكان اصليين فيها!وكان خلف تلك القرارات الارادية قوة الاستعمار، فالاعتقاد بان الغرب مسيطر والامم الاخرى الضحية له ضعيفة ويمكن قهرها هو الذي جعل النزعة الارادية تطغى، فنشوء اسرائيل الغربية كان اصطناعيا اولا وقبل كل شيء، وثمرة قوة الغرب وليس نتاج هوية قومية يهودية لم تكن موجودة ومازالت غير موجودة حتى هذه اللحظة بعد كل شيء.استعاضت الصهيونية عن الجيتو اليهودي بجيتو بحجم دولة اصطناعية تتغذى من الفصل العنصري، فهي اليوم جيتو عنصري فرضه الغرب.

ج - وتشير التجارب التاريخية ايضا الى امكانية اقامة دولة متعددة الهويات القومية يجمعها دين واحد مثل الدول المسيحية والاسلامية التي زالت بعد لحظات تاريخية، او مصلحة اقتصادية او ستراتيجية مثل اسرائيل الغربية وجنوب افريقيا واستراليا وامريكا وكندا ،ولكن بشرط حاسم كل الحسم وهو ان تكون تلك الدولة فيها اغراءات قوية تقنع المعوزين والمضطهدين في العالم بالهجرة اليها تهربا من الفقر والاضطهاد بكافة اشكاله،وهذا ما حصل بالنسبة للدول الاصطناعية المذكورة، فامريكا اجتذبت كل محروم او مضطهد اليها بثراءها وظهورها كبلد ( الفرص الذهبية ) ، وكان نهوض الرأسمالية فيها التي استغلت تلك القارة الغنية هو مصدر الجاذبية للمهاجرين، وكذلك اسرائيل الغربية، فالدعم الامريكي والاوربي والصهيوني لها كان مغريا لليهودي الروسي او غيره المصنف ضمن الفقر او الوسطية ماديا للهجرة الى فلسطين المحتلة لانه يحلم بعيش رغيد لايتوفر له ولهذا فأن اثرياء العالم من اليهود لم يهاجروا الى الكيان الصهيوني.

ولكن هل تبلورت هوية قومية لليهود حقا في اسرائيل الغربية؟ الجواب الحاسم هو كلا ، فمجرد ابقاء اليهودية هوية مميزة لسكانها يثبت انها لاتملك اي مقوم من مقومات الهوية الوطنية والقومية وتلجأ لربط الدين الموجود والقوي بالقومية الافتراضية لمنع تفكك الكيان الفاقد اي رابط وطني، عندما ننظر اليها الان نراها وبعد ان وصلت قمة قوتها وتقدمها التكنولوجي وصار عدد سكانها ٦ ملايين وفرتهم الهجرة اليهودية وبعد ان تحول العرب من قوة فعالة تهدد هذا الكيان الاستعماري الى مسرحا لاسوأ كوارث القرنين العشرين والحادي والعشرين، نراها تتهاوى وتتعاظم عوامل تفككها واهمها غياب الهوية الوطنية الجامعة وانعدام المعنويات والتي عبرت عنهما الشخصيات اسرائيل الغربية الذين ذكرنا اقوالها.انها مفارقة صادمة لانصار النظرية الارادية ونصر واضح لانصار نظرية التشكل التدريجي للهوية.

د - كيف حصل ذلك ولماذا؟ بعد سبعة عقود على قيامها اسرائيل الغربية تعاني الان من ازمة الهوية اكثر مما مضى، وما يقرر سلوك الاسرائيلي في حياته اليومية الان ليس قومية يهودية افتراضية بل خلفيته القومية فالروسي يتحدث في بيته ومحيطه بالروسية والفرنسي بالفرنسية .. الخ ،كل هؤلاء يمارسون تقاليدهم ويستخدمون لغتهم القومية السابقة،والاسرائيلي اليوم اسير حاضره الزاخر بالازمات والحروب والتهديدات الوجودية وتدهور امتيازاته المادية ،ففي كل يوم هناك مشكلة خطيرة تواجه المستوطن اليهودي وهو ما يجعله يعيش ماضيه وتزداد غربته عن حاضره، خصوصا ان الفرق في العيش بين وطنه الاصلي وكيانه الملفق والذي اغراه بالهجرة الى اسرائيل الغربية يزول بسرعة.

هـ - الاسرائيلي اليوم متوزع الانتماء فهو يهودي متطرف ولكن هناك يهود ضد الصهيونية وبينهما صراعات ، وثمة من يجاهر بان دولة اسرائيل مناقضة للعقيدة اليهودية وخطرا عليها.وفي السنوات الاخيرة زادت قوة حنين اليهود العراقيين للعراق مثلا وحافظوا على فنون العراق وطربه ولهجته وطعامه،وهذا يشمل اكثرية اليهودي هناك، وهنا نرى ان اهم شروط بداية تشكل القومية وهو الاندماج بين المختلفين مازال مفقودا في اسرائيل الغربية فهي بلد الجاليات وليس بلد القومية المتبلورة، وكل جالية يهودية تعتز بماضيها القومي!فعلى ماذا تدل كل تلك الحقائق المذكورة؟ انها تأكيد واضح على عدم وجود قومية يهودية وان القومية اليهودية ليست فقط تنتمي للنظرية الارادية الخاطئة في تشكل الامم بل هي ايضا تفليق مصطنع متعجل جدا لم يصل حتى للمرحلة الاولية من الاندماج وبقيت المياسم القومية السابقة تتحكم في السلوك اليهودي الحالي، وهذه هي الحقيقة التي يراها كثير من اليهود ومنهم الذين عبروا على خوفهم من اقتراب نهاية اسرائيل الغربية، فالناس الذين لاتربطهم هوية واحدة او على الاقل موحدة نفسيا ولغويا وثقافيا واجتماعيا ويتعرضون للتحدي محكوم عليهم بالتفكك.

و - ليس مفارقة وانما هي نتيجة طبيعية ان الدين في عصرنا عندما يصبح متحكما بالصراع فانه يقدم هدية بالغة الاهمية لاعداء الامة،وهو ما ظهر في فلسطين حينما ظهرت حماس تناهض الكيان الصهيوني ولكنها بنفس الوقت تقاتل من اجل الحكم!وهذه مفارقة تنقض الغطاء الديني لها، ولذلك تتقاتل مع فتح،فصراع العقيدة الدينية تركز على السلطة اولا وليس على تحرير فلسطين حتى وان استخدم ذلك كغطاء للاول،وجعل الاسلام هو بوصلة الصراع مع الصهيونية اعطى للاخيرة وللغرب الاستعماري اهم واخطر الحجج للوقوف ضد حقوق فلسطين وشعبها القومية عندما صور الاسلامويون العرب الصراع على انه صراع ديني وليس صراع حقوق طبقا للقانون الدولي الذي يعترف بالامم والدول القائمة كمرجعية له وليس للاديان.

وبسبب جعل الدين بوصلة الصراع مع الكيان الصهيوني رأينا اغلب من دعموا المقاومة الفلسطينية قبل ظهور حماس وهم عشرات الملايين من احرار العالم الذين رفضوا بوعي عال التبرير الديني اليهودي لغزو فلسطين واعتبروه غطاء لاهداف غير مشروعة،يتراجعون عن دعم القضية الفلسطينية امام انحدار الطابع التحرري والقانوني للصراع وهيمنة الطابع الاسلاموي– اليهودي الذي روجت له حماس وغيرها من التنظيمات الاسلاموية واكثر مما روجت له الصهيونية، وكانت صدمة الناس واضحة لانهم رأوا عربا يغلفون الصراع ضد اسرائيل الغربية بنفس الغطاء الصهيوني لاحتلال فلسطين وهو ألاساطير التوراتية التي رفضوها بشدة ،واذا بهم يرون عربا يتبنون نفس المحرك الصهيوني للصراع !والمحرك المشترك لكل من الصهيونية والاسلامويين العرب لم ينشأ صدفة ولا ثمرة حماقة جهل خصوصا وان المحرك المشترك هذا قدم كافة المبررات للصهيونية المسيحية للصعود والتحكم في امريكا وحكومات اخرى بحجة وجود ( خطر اسلامي ) على المسيحية ايضا!فتنحي الطابع التحرري والقانوني للصراع والاستعاضة عنه بالمحرك الديني الزائف كان النصر الاعظم لمخطط الغاء الحق القانوني للعرب في فلسطين بطمره تحت اطنان الاساطير اليهودية والاسلاموية والمسيحية الصهيونية !

وما فعلته حماس والجهاد الاسلامي في فلسطين كان تكملة لما فعله قبلهما خميني واتباعه والقاعدة وداعش، فخميني وداعش والقاعدة حولوا الصراع الاقليمي من صراع تحرر وطني شكل الباعث الرئيس لدعم القضية العربية الى صراعات بين الاسلام من جهة والمسيحية واليهودية وكل الاديان من جهة اخرى،فكان ذلك هو المقدمة الحتمية لخسارة العرب ملايين الناس وافقادهم حقوقهم وتحويلهم من ضحايا الى متطرفين دينيين معتدين يجب ردعهم!فتغليب الطابع الديني افقد العرب قوتهم الاساسية وقدم لامريكا والغرب والصهيونية الدعم الكامل الذي مكنهما من تنفيذ مخططاتهما التدميرية للاقطار العربية.

ز - ما افقد المشروع الصهيوني في فلسطين ماكان يسميه شرعية الاعتراف العالمي بكيانه هو انه تصرف وهو في ذروة قوته والعرب في ذروة انهياراتهم كقوة عدوانية عنصرية لاتحترم حقوق الاخرين وترفض القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة والتي سبق لها وان قبلتها وبفضلها منحت ( الشرعية ) فرأينا نتنياهو يقرر ضم الجولان وبقية فلسطين، ونرى امريكا تدعمه بلا تحفظ !بسقوط هذه الصورة عن اسرائيل الغربية فقدت اهم مقومات شرعيتها الزائفة امام العالم وقدم للعرب الاحرار حقا ثابتا في التعامل بالمثل مع وجود هذا الكيان بذاته ، وهذه النقطة هي التي راتها شخصيات اسرائيلية فحذرت من اقتراب زوالها.

٦ - ولكن العامل الاهم في نسف الاسس التي قامت عليها اسرائيل الغربية هو دور الشعب العربي خصوصا الشعب الفلسطيني، فاليوم وبعد سبعين عاما على غزو وطنه مازال مصمما على تحرير وطنه مؤمنا بانه سيستعيد كل شبر من فلسطين، ولذلك فالتضحية من اجل الوطن والهوية العربية والمقدسات الاسلامية هو الخيار الصائب والوحيد وليس الاستسلام او التراجع او تبني الغطاء الاسلاموي للصراع، وصورة الفلسطيني الصامد وغير القابل للاستسلام هي التي ترعب المستوطن الغريب الفاقد للمعنويات تماما ،والذي يحتل مزرعة الفلسطيني او ارضه ، وهو خائف ومستعد للاستسلام عندما يهزم ولو مرة واحدة.

وصراع تتحكم فيه ظاهرة اختلال موازين المعنويات لصالح الشعب العربي الفلسطيني لابد ان ينتهي لصالح الاخير لان العامل الحاسم في الحروب الطويلة هو المعنويات وليس الامكانيات المادية، واختلال التوازن يتجسد في اهم شروط البقاء وهو الهوية، فالفلسطيني هو صاحب الهوية العربية وهو بهذه الهوية صاحب الارض وليس اليهودي الطارئ القادم من مختلف الهويات القومية ومعنوياته شبه معدومة ويعيش تحت كابوس قناعته ان زوال اسرائيل حتمي لانه يعرف بان وطنه الحقيقي ليس هنا بل هناك، حيث تركه وهاجر وان فلسطين للفلسطيني الصامد وغير القابل للاحتواء ولا للشراء وهو باق في ارضة وسيستعيدها مهما طال الزمن.نرى الان الفلسطيني هو الاقوى في توازن القوى وليس بندقية اليهودي ولا مظلته الامريكية فغدا او بعد غد ستتغير البيئة الاقليمية والعربية وستنهار امريكا وتتقسم – لاتظنوا انه حلم فكورونا كشفت انه احتمال قوي جدا - او تتراجع، فأمريكا هي محض مشروع رأسمالي اليوم معك وغدا ضدك وهو ما نراه متجسدا في سلوك ترامب، وعندها ستفقد اسرائيل الغربية مظلتها وسيعود اليهودي في فلسطين المحتلة الى حالة ( اليهودي التائه ) ويفقد كليا اي شعور بالامن، وبنفس الوقت سوف يزداد تدهور قدرات اسرائيل الاقتصادية والامنية فلا يجد الاسرائيلي من اصل روسي او فرنسي او الماني الا الهجرة حتى بدون حرب الى وطنه الذي ولد وتربى فيه، وما ان تبدا الهجرة من الداخل الى الخارج باتخاذ طابع الزيادة المستمرة حتى تكون اسرائيل الغربية قد وصلت نهايتها فلا تنفعها اسلحتها النووية ولاتقدمها التكنولوجي لان الاصل وهو السكان قد اخذ يهاجر واكتملت عوامل انهياره المعنوي.

الخراب الاسرائيلي الثالث قادم لامحالة،سنرى العراق ينهض يقوده مجددا نبوخذنصر ويتصدى لكورش الفارسي ويهزمه في القادسية الثالثة لان تحرير فلسطين وهو هدفنا الثابت مبدأيا وستراتيجيا، رهن بأزالة السكين الفارسية من الخاصرة العراقية، تماما مثلما ازال صلاح الدين السكين الفاطمية من خاصرة الدولة العربية قبل استعادة القدس الشريف.ستبقى فلسطين عربية رغم الارادية الاستعمارية.

almukhtar44@gmail.com
٢ - ٧ - ٢٠٢٠





السبت ١٣ ذو القعــدة ١٤٤١ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٠٤ / تمــوز / ٢٠٢٠ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب صلاح المختار نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة