شبكة ذي قار
عـاجـل













لماذا تبدو نهاية اسرائيل الغربية مقترنة بتعاظم قوتها ووصولها للذروة في التفوق والانتصار مقابل انهيار قوة العرب رغم ان ما يجري يوحي بالعكس تماما؟ للاجابة بدقة لابد من ملاحظة ما يلي :

١ - الامم لايصنعها مخطط ستراتيجي ولا رغبة فئة ايديولوجية دينية كالدول الدينية، او سياسية كالدول الاشتراكية في اوربا الشرقية، فمثل هذه الدول مهما كبرت عدديا ودامت زمنيا فهي زائلة لامحالة، وقدم التاريخ لنا الامثلة الحية : فالدول التي قامت باسم دين كالمسيحية زالت مثلما زالت تلك التي حملت تسمية اسلامية ، ولم تبق الا دول الهوية القومية، وعندما اجتاحت العالم العولمة بقرار ارادي امريكي منفرد لم تدم اكثر من عقد ونصف، ونحن الان نشهد انهيارها الفضائحي لان من هدمها هو صانعها بالذات بعد ان اكتشف انها لم تعد تعمل لصالحه.وحتى الدول المتعددة القوميات المتقاربة العدد تبقى بركانا يشتعل وينفجر في وقت ما حتما ليشطر الدولة الى قومياتها المكونة والسبب هو تناقض هويات متقاربة العدد، وهذا لايحدث في دول ذات قومية رئيسة تتعايش مع اقليات قومية.لماذا تنفرط الدول الدينية وتبقى الدولة القومية؟ ان نشوء اي امة نتاج تفاعلات التاريخ المستمرة لقرون، بل والفيات فتختلط موجات البشر تعايشا وحروبا وسعادات، وتتبخر الفوارق ببطء شديد وتتشكل وايضا ببطء شديد لحمة تأخذ بتقريب تلك الموجات نفسيا واخلاقيا وتقاليديا وتنمي ثقافة مشتركة تتحول وببطء شديد ايضا الى ثقافة واحدة او مشاركة بعد قرون من البقاء في نفس المكان والبيئة، وهكذا تتبلور هوية الامة ممثلة تحديدا واشتراطا بلغة واحدة وطباع منسجمة ومصالح مشتركة ومنطقة جغرافية متصلة ومعتقدات روحية عامة وتقاليد ملتزم بها .. الخ، وهذه القواسم المشتركة في التشكل هي صانعة الهوية ودرعها الواقي والتي تجعلك عربيا او المانيا مثلا وتضمن وجود الاف الناس المستعدين للموت من اجل اللحمة الوطنية هذه والتضحية جيل بعد جيل دفاعا عنها.

هذا هو الدرس الاعظم المثبت في تاريخ نشوء الامم : فما لم تقترن عملية انشاء دولة ما بوجود هوية طبيعية تبلورت عبر قرون والفيات فأن الدولة ومهما كانت قوية وبغض النظر عن دوامها الزمني مصيرها الفناء سواء بكارثة سريعة كالحرب او بالتفكك التدريجي ، لان لحمتها مفقودة وكل مايربط بين كتلها السكانية هو المصالح الانية التي دعمت بتوفر قوة طاغية او اغراءات مادية!فهل اسرائيل الغربية كيان طبيعي نشا عبر عملية تفاعل طبيعي استمر لقرون ام انه مجرد ثمرة قرار استعماري اوربي؟ بعد ٧٠ عاما عندما ننظر الى اسرائيل الغربية نرى انها عبارة عن لملوم متناقض الثقافات والالوان والهويات والمصالح ولا يمكن العثور على لحمة حقيقية ثابتة تجمع ذلك اللملوم.وما ابقى اسرائيل الغربية سبعة عقود ليس تلاحمها الذاتي ولا هويتها غير الموجودة بل هو تفوق الاستعمار ثم الامبريالية على العرب في مجال القوة والتقدم مع الافتقار التام لاي حق قانوني وتاريخي في فلسطين.ولهذا فبقاء اسرائيل الغربية رهن ببقاء العرب ضعفاء مفككين ومستنزفين ومغرقين عمدا في ازمات وكوارث كي لايتفرغوا لتحرير فلسطينهم من نهرها الى بحرها ثم تطهيرها من قذارات الصهيونية ، وهذه الحقيقة الاساسية هي التي تفسر حالنا الان.

٢ - الدين الذي قامت على اساسه اسرائيل الغربية ليس هوية قومية ومهما حاولت الصهيونية ادعاء ذلك لان الواقع التاريخي والمضامين الدينية لليهودية تؤكد انه ايمان روحي بعقيدة ما قبل اي اعتبار اخر والجيتو ومهما كان عازلا لايصنع هوية تخرج من اطار الدين، وحتى قبل انتشار اليهودية كانت القبائل اليهودية العربية متنافرة يلعن بعضها البعض الاخر فبدت عبارة عن مجاميع بشرية محكوم عليها بالبلبلة والتيه وهو ما نراه فورا وبوضوح من قراءة العهد القديم.وعندما توسعت وضمت ابناء عدة قوميات وهويات وصار فيه العربي والاثيوبي والفارسي ثم اضيف الاوربيون لم تعد هناك هوية ثقافية واحدة لليهود ولا انتماء عرقي واحد ،ولو نظرت لليهودي اليمني او الاثيوبي وقارنتهما باليهودي الفرنسي مثلا لرأيت الفرق الثقافي الجوهري واكتشفت الاختلاف العرقي ايضا بينهما.ولهذا فالتمييز العنصري الممارس من اليهود الغربيين ضد اليهود الشرقيين ظاهرة قديمة مرافقة لنشوء هذا الكيان المصطنع.فمحاولة الصهيونية تحويل اليهودية الى قومية ودين في ان واحد كانت توليفة يطرد كل طرف فيها الاخر مثلما تحاول جمع النار والغاز في بوتقة واحدة ومهما وضعت حاجزا يمنع تفاعلهما فانه سوف يذوب ويحدث الانفجار الذي يحول ماجمع الى نثار عبثي.

ومن مظاهر النثار اليهودي المتأصل اننا نجد اعداد ضخمة من اليهود في اسرائيل الغربية والعالم يتمسكون باعتقاد ان اليهودية ديانة وتعاليم اخلاقية وليست دولة بل وصل الحال ببعضهم الى حد الاعتقاد بان نشوء دولة باسم اسرائيل انما هو مقدمة لفناءها الحتمي فأسرائيل الغربية طبقا لهؤلاء تخالف تعاليم الله بوجودها الدنيوي والذي لاصلة له باليهودية اصلا،مثل طائفة ناتوري كارتا،يضاف الى ذلك ان اكثرية يهود العالم مازالوا خارج اسرائيل الغربية ويرفضون الهجرة اليها متمسكين باوطانهم وهوياتهم القومية وفاصلين بين اليهودية كديانة روحية والقومية كهوية وطنية تتشكل من كل ابناء الاديان في الوطن الواحد.ففي نيويورك وحدها ستة ملايين يهودي وهو رقم مقارب لعدد سكان اسرائيل الغربية علما ان هذا الرقم غير صحيح وتتعمد الصهيونية اخفاء الرقم الحقيقي وهو ١٢ مليون يهودي في امريكا !

وسبب عدم هجرة هؤلاء الى اسرائيل الغربية هو تأثيرات هويتهم القومية في البلد الذي يعيشون فيه فاليهودي الفرنسي هويته فرنسية والقوانين الفرنسية واغلب العالمية لاتسمح بازدواجية الهوية.ولكي تكون الصورة اوضح لابد من تكرار التأكيد على ان تفوق الانتماء القومي على الرابطة الدينية في الحياة العامة وترسخ فاصل فولاذي بينهما حدد وظيفة الدين في انها علاقات روحية ايمانية بينما الدولة وجود اجتماعي ينظم حياة كافة من يعيشون فيها، وهذا هو دليل معاصر على سقوط الوهم الصهيوني والغربي الاستعماري.

ولن يكون ممكنا بعد الان وتحت اي ظرف وجحة تجاهل ان اسرائيل الشرقية ومثل توأمها اسرائيل الغربية تربط الدين بالقومية عمدا من اجل التضليل والخداع وغزو اقطارنا ونهب ثرواتنا وذلك لايمكن تحقيقه الا بأبادة ملايين العرب وتشريد ملايين اخرى، فرغم ان نظام الملالي في طهران يستخدم الاسلام كهوية الا انه يحقق مكاسب للقومية الفارسية على حساب العرب تحت غطاء الاسلام بينما الصهيونية تحقق مكاسب لها تحت غطاء ( القومية ) اليهودية.

٣ - الثقافة واللغة والتقاليد والهوية الواحدة تحتل المقام الاول في التاثير وليس العقيدة الدينية رغم انها تحتل المركز الاول عندما يتعلق الامر بالايمان بوجود الله والذي يسبق كل ايمان اخر ، ورغم ان الاسلام والمسيحية تناديان بتساوي البشر الا ان ذلك في الواقع لم يكفي لخلق لحمة تضمن التأخي الراسخ والتعامل على قاعدة المساواة بين المنتمين لديانة واحدة من قوميات مختلفة.ان تجربتنا التاريخية مع الفرس والترك وغيرهما ووجود صراعات معقدة معهما بسبب الارض والمياه اكدت وبتكرار ممل بان الهوية القومية ارسخ واقوى تأثيرا من الدين في العلاقات الدنيوية ومهما تظاهرت الدول الدينية بالعكس.

ومن الضروري الاشارة الى ان العرب حينما اسسوا دولتهم على اسس دينية وحاولوا تحقيق المساواة بين ابناء الدين الواحد نجحت الفكرة لفترة لكنها هزمت امام النزعات القومية فحتى اثناء حكم الخلفاء الراشدين ظهرت تأثيرات الهوية القومية،فالفرس اعتبروا ان الاسلام حطم امبراطوريتهم القومية فتشكلت جماعات معادية للدولة العربية الاسلامية رغم ان الدولة ساوت بين جميع المسلمين ، وظهرت الشعوبية لتمثل النزعة القومية المعادية للعرب لدى غير العرب،وما ان ظهرت الدولة الاموية واقترن ذلك بتعاظم قوة الشعوبية وتمكنها من التغلغل في الدولة حتى ظهرت القومية العربية كرد فعل متوقع، فظهور نزعات شعوبية يوقظ المشاعر القومية العربية حتما.الدولة العباسية التي قامت على الدين ايضا ورفضت سياسات الامويين القومية واحتل الفرس فيها مركز الصدارة في قيادتها اقتنعت لنفس السبب الذي جعل الدولة الاموية تتمسك بالقومية العربية حيث ان الفرس الذين لعبوا دورا كبيرا في اسقاط الدولة الاموية تغلغلوا في الدولة العباسية ووصلوا الى بيت الخليفة وصاهروه وتشكلت نخب فارسية تطعن بالعرب في قلب بغداد العربية واخذت الشعوبية الفارسية تهدد باسقاط الخليفة ونقل الخلافة الى بلاد فارس، وهو يتكرر الان،فكان طبيعيا ان تحدث نكبة البرامكة مثلا وينهى النفوذ الفارسي وتستعيد الدولة عروبتها.

٤ - لماذا الهوية القومية هي الاقوى والارسخ؟ البشر سبق لهم ان تكونوا في اطار الهوية القومية فهي الرابطة الاقدم والاكثر تغلغلا في نفس الانسان فالقومية العربية والقومية الفارسية كانتا موجودتان قبل الاسلام بقرون وفي ظلهما تشكلت التقاليد والتكوين النفسي ونشأت الذاكرة الجماعية العفوية والروابط القبلية والاسرية،وعندما جاء الاسلام وجد الهوية الحضارية والثقافية مترسخة لدى العرب فهذبها وقواها ومنحها بعدا روحيا ايمانيا لكنه لم ينجح في ازالتها من عرشها العتيق.ومما جعل الدين غير مهتم بأزالة القومية السابقة له هو انه رسالة روحية تتعلق اساسا بعلاقة الانسان بربه وضرورة طاعته وتنفيذ اوامره فهي رسالات تربوية اخلاقية في المقام الاول وليست علاقات دنيوية تتعرض لتعقيدات الحياة الخطرة لهذا كان الطابع العام للدين هو انه اراد ضبط السلوك الاخلاقي للانسان وهو يمارس حياته في بيئته القومية.

ومن الحقائق التاريخية الثابتة هي ان اليهودية والمسيحية والاسلام اديان ظهرت كلها في الوطن العربي بعد تكون القومية العربية بقرون فاليهود والمسيحيون والمسلمون هويتهم عربية وبغض النظر عما حصل لليهود بعد ذلك.وكان اغلب اليهود العرب حتى غزو فلسطين يعتزون بهويتهم العربية ولم تكن لهم هوية قومية اخرى غيرها.ومن الامثلة الشديدة الاهمية هو مثال وقوف المسيحيين العرب اثناء الحروب الصليبية ضد الصليبيين والذين جاءوا باسم الصليب لكن المسيحي العربي قاتلهم لانه نظر اليهم كغزاة اجانب ، وقبل هذا التحمت القبائل العربية المسيحية مع المسلمين العرب في القتال ضد الفرس الغزاة في تعبير بالغ الوضوح عن اسبقية القومية على الانتماء الديني.واذا اخذنا كل ذلك بنظر الاعتبار تظهر لنا الاسباب العملية لزيف ( القومية ) اليهودية وانها تلفيق صهيوني يتناقض مع الواقع فهي الان غير موجودة لان اليهودي مستعد للهجرة ، وهو ما اعترف به قادة اسرائيليون اقتبسنا منهم،اذا تعرض للخطر مؤكدا انه لايشعر بانه ينتمي للمكان الذي يعيش فيه ولا الى البشر الذين عاش معهم ففلسطين بالنسبة له هي فندق مريح ليس الا.

يتبـــــــــــع ...

Almukhtar44@gmail.com
٢٦ - ٦ - ٢٠٢٠





السبت ٦ ذو القعــدة ١٤٤١ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢٧ / حـزيران / ٢٠٢٠ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب صلاح المختار نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة