شبكة ذي قار
عـاجـل













الحركات التاريخية لاتتمثل بمجموع عددي مجرد ، ولن تقاس قوتها بعدد أعضائها او المنتمين اليها ، بل بقوة وحيوية الفكرة التي تتبناها ، وإن الحركة تصبح أكثر قوة وتأثيراً عندما تتمسك فئة قليلة صادقة منها بهذه الفكرة ، تقاتل دونها وبها ، هذا ما حصل ويحصل دائماً عبر التاريخ ، ذلك إن الأفكار الأصيلة تبقى خالدة يقاتل بها الأحرار ويستشهدون دونها ، وتدرّسْ عند الخلود في أرقى المعاهد وأعرق الجامعات ، يمكن الرجوع اليها والتبحّر بمعانيها ومضامينها في بناء الحياة ، هذا في حالة إن من يتصدر قيادة الفكرة قلة مؤمنة ، فكيف الحال والحركة بمجموعها الأكبر هو من يؤمن بالفكرة ويقودها ويقاتل بها في الميدان ؟؟

فالمجموع العددي لأية حركة سياسية ليس شيئاً مقدسا بحد ذاته كما يعتقد الكثيرون ، ولا هو المعيار لحجم الفعل والتأثير لهذه الحركة بل قد يكون عبئاً عليها يثقل سيرها ويحط من قدرتها ، لأن هذا المجموع قابل للزيادة والنقصان حسب تغيّر ظروف الحركة ، ومستوى درجة إيمان من ينتسبون اليها .

إن قدسية الفرد القائد أو جزء من المجموع تتمثل بقدرته على حمل الفكرة ونشرها والدفاع عنها والتضحية من أجلها ، بما يعطيه الحق لأن يتكلم باسم المجموع ويمثل المجموع ويتصدر الزعامة . وينتفي هذا الدور منه عندما تضعف قدرته على تحمل أعباء الفكرة وينزوي خائفاً مرتجفاً منكسراً في زوايا مظلمة ينتقد هذا ويطعن ذاك ، حتى إذا أراد أن يدلو بدلوه فلن يكتب الا الباطل بخفاء خوفاً من مواجهة الحق الذي لن يجد وسيلة الا بشتم دعاته والحط من منزلتهم الشخصية والأدبية ويبغضهم على مايمتلكون من قدرة هو عاجز عنها في مواجهة الموت وتحمل أخطار الملاحقة ، والتصدي لهموم المسؤولية الهائلة التي لم ولن تعطي لمن يتصدى لها في مثل هذه الظروف المرّة الا حلاوة الإيمان وصفاء النفس وسمو الأخلاق وعمق المروءة وصفة البطولة ، بما في ذلك الاستعداد للموت في أية لحظة ومكان ، وهذا لعمري لا يستوعبه الناكصون والمتروكون والمنزوون في زوايا النسيان ، فعند ذاك لم يتبق لهم إلاّ سلاح العاجزين في التآمر وطعن وشتم حملة الفكرة والمباديء بسبب إنهم يفتقدون قدرة الصعود لذلك المستوى من العطاء والتضحية . إنها إذن حالة نفسية معقدة من اليأس والاحباط والعجز والهزيمة والخوف والفشل مصحوبة بتمنيات غير مشروعة في تقليد الآخرين الذين يصنعون البطولة ويتلمسون العطاء ، تلك هي التي يعيشها بعض البشر وتطبع سلوكهم بدافع من الحقد الأسود على أولئك الذي يواجهون الموت ببسالة الشجعان وحرارة الإيمان وقوة العقيدة ويطلبونه دفاعاً عن الحركة بأجمعها والمجموع بأكمله .

القائد ليس هو الذي من يستبدل الفكرة الأصيلة بالعدد الهزيل بل هو في الظروف التاريخية الصعبة يحوّل العدد مهما كبر أو صغر الى فكرة حية خلاقة مقاتلة ، يتقدم الصفوف ويدعو للتضحية والبطولة بأخلاق النبوة ، غير طعّان ولا شتّام ولا لئيم ولا حقود ولا متآمر ولا كذاب ،،، تلك الصفات حاشى أن تكون من صفات رجال شجعان من أصحاب المروءة والشهامة والخلق والشرف الرفيع .

أقول هذا لأن الذي حصل هو ذاته مع حركة البعث وفكرته الأصيلة بعد إحتلال العراق عندما انفضَّت عنه أعداد من البشر كانوا يردحون بين صفوفه في الامس القريب ، تساقط بعضهم بين يمين ويسار ، ومنهم من إنزوى في زوايا النسيان محبطاً عاجزاً خائفاً ومستَفَزاً من كل فعل فيه بطولة وتضحية وبسالة ولو بجزء يسير في زمن يعتقد هؤلاء إن كل مافيه تراجع وإحباط وإنكسار ... لينبري من بين تلك الجموع المرعوبة قائد مجرّب فذ شجاع مؤمن بالفكرة متشبع بها مجسّدٌ لها في فعله وقوله وسلوكه ، مثّلها في حياته خير تمثيل ، قّاد البعث وسط الظلام ونهض به من بين الركام ، إنه القائد الأعز أبو أحمد الذي لايحتاج الى تعريف والمعرّف لايعرف ، ومعه ثلة خيّرة صادقة غيورة من الرجال الشجعان الثابتين على الحق المخلصين لفكرتهم وشعبهم ووطنهم وأمتهم ، نجحوا في تحويل ما تبقى من المجموع صوب الفكرة المقاتلة التي غطت بصداها كل ثرى العراق وفاح عطرها بسالة وشجاعة وبطولة وتمسك فريد بالحقوق قل نظيره ، عوّضت للحركة التاريخية جمعاً كان في أكثره عبء عليها . فالعبرة إذن ليست أن يجمع القائد حوله الملايين من ألاعضاء والمؤيدين ، بل في كيفية قيادتها من خلال الفكرة والعقيدة التي أمنوا بها وتشبعهوا بمبادئها .

ولعل مانشاهده في العراق الآن عندما تهتف الملايين بصوت عالي ، لا للإحتلال الامريكي ومخلفاته ، لا لإيران واعوانها ، لا للإرهاب والفتنة ، لا للطائفية والفساد ، لا للظلم والرذيلة ، لا للتراجع والتخلف ، ولا للخيانة والرِّدة والتآمر ... نعم للوحدة والكرامة والعروبة والسيادة والفضيلة والعيش الكريم ، للمروءة وشرف الموقف ونبل الأخلاق ... رغم هذه السنين السوداء من التشويش والتضليل والكذب والتساقط ، فإنه يعبّر خير تعبير عن أصالة الفكرة المقاتلة والثقافة الرافضة لكل ماهو شاذ ومنحرف ، كان للبعث شرف لايدعيه في غرسها ، ودور مشهود في تنميتها وترسيخها ، ولعل طموح الشعب بعودة المارد بقيادته الفذة الصادقة ، تكشف بجلاء عن هذه الحقيقة وتفند ماسواها من قول المتقوّلين وخور الخائرين وتآمر المتآمرين .

ولعل هذا أيضاً يفسر جلياً غيض وحنق أميريكا والفرس والصهاينة ومن والاهم من طوابير التجسس والردة ،،، للتآمر على الفكرة وقادتها وعلى الامة وهويتها وعلى كل ماتبقى من عناوين الوطنية الصادقة والعروبة الاصيلة في أمة قد أبتليت بمن يدعون الانتماء اليها زورا وبهتانا ، وفي حركة قد كثر ادعياء الحرص عليها من أولئك المنزوين والمتروكين !!!

من المؤكد أيها السادة ،،، إن الخراطيش المستخدمة في بنادق صيد قديمة معروضة للإيجار في بوادي التخلف وجزر النكوص والخوف والتراجع ، ستبقى موجهة صوب الطيور الحرة في أرض السواد لطالما بقيت الفكرة متجذرة في النفوس والعقول ولها قادة متمسكون بها يقاتلون دونها . وبسبب كونها فكرة حيّة خالدة أصيلة ، فعليكم إستقبال المزيد من خراطيش الرماة العميان الطائشة .





الثلاثاء ٢٣ رمضــان ١٤٣٧ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٢٨ / حـزيران / ٢٠١٦ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب الدكتور خضير المرشدي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة