شبكة ذي قار
عـاجـل













جوانب شخصيّة وأخرى تنظيمية مثّلت أبرز محطّات هذا الحوار. عن مستقبل البعث في ظل التحولات التي أفرزتها ثورات الربيع العربي كانت لنا وقفات. رؤيته لصعود التيارات الإسلامية للسلطة في المنطقة العربية، وموقف حزبه من القضايا السودانية القومية والثورات في المنطقة كانت حاضرة في حوارنا معه، كما سألناه عن علاقة البعث بالجيش السوداني، والانقلابات وفشله في دخول البرلمان، اتّهام البعث بالضلوع في انفصال الجنوب وتطابق مواقفه مع مواقف النظام وغيرها من الأسئلة كانت حاضرة في حوارنا معه. الرجل معروف بشخصيته القومية وأشواقه لوحدة الأمّة العربية، وكذا رفضه للتدخلات الأجنبية والوصاية الدولية. عضو القيادة القومية وأمين سر قطر السودان بحزب البعث العربي الاشتراكي؛ علي الريح السنهوري استمع لجميع أسئلة (الأهرام اليوم) ورَد عليها بكل وضوح وشفافية وكانت حصيلة ردوده هذا الحوار.

 

من هو علي الريح السنهوري ومتى انضمّ لحزب البعث العربي الاشتراكي ومن الذي جنده للحزب؟

علي الريح بعثي بدأ يؤمن بشكل ضبابي بالفكر القومي منذ أن كان في العاشرة من عمره إبان حرب السويس على مصر، وكان يتفاعل مع تجربة عبد الناصر وفي مطلع الستينيات وتحديداً في عام 1962م بدأنا نشكل مجموعات قومية عربية من طلاب مدرسة (خور طقت) الثانوية وانتقلنا إلى المحيط الخارجي وقمنا بتشكيل وحدات شعبية ثم التقيت بعدها بالمرحوم بدر الدين مدثر، وكان حينها مطروحاً تنظيم الاشتراكيين العرب كتنظيم يضم كل التيارات القومية في الساحة السودانية من “ناصريين وبعثيين وقوميين وغير منتمين”، واعتمد هذا التنظيم على نظرية الخط التقدمي العربي العام أي التفاعل الإيجابي مع كل الحركات القومية في الوطن العربي، واتفقنا على عقد مؤتمر للاشتراكيين العرب في الأبيض وتم عقد هذا المؤتمر عام 65، ومن خلال التفاعل داخل تنظيم الاشتراكيين العرب بدأ التطور نحو حزب البعث العربي الاشتراكي باعتباره حركة شعبية ثورية، ونضج هذا الأمر إثر العدوان الصهيوني في عام 1967م على “مصر والأردن وسوريا” وفي المؤتمر الثاني للاشتراكيين العرب في يونيو 1968م طرح هذا الأمر في المؤتمر وخرج ذلك المؤتمر بما يسمى بالتقرير العقائدي الذي جعل الاشتراكيين العرب أقرب إلى حزب البعث لاعتبار أن الاتفاق نص على عدم الاستقطاب داخل الاشتراكيين العرب لتنظيم حزب البعث، وفي عام 1970م تم تشكيل قيادة فرع حزب البعث في إطار الاشتراكيين العرب وكنت أحد أعضاء فرع حزب البعث في القطر، وتولى قيادة هذا الفرع قيادة تنظيم الاشتراكيين العرب، وإذا أردت الحديث عن علي الريح السنهوري أو أي من الشخصيات البعثية من الصعب أن تفصل بين العضو والحزب فدور الفرد لا ينفصل عن دور المؤسسة الحزبية.

 

“السناهير” في واقع الأمر هم ختمية ما هو السبب الذي دفعك للاتجاه نحو البعث؟

السناهير عشيرة من عشائر الجعليين وقد يكون أكثرهم من الختمية لكن فيهم من هم متحررون من الطرق والطوائف، وأكثر “السناهير” كانوا في الحزب الوطني الاتحادي وليس في حزب الشعب الديمقراطي الذي كان مرتبطا بالطريقة الختمية، وعندما انقسم حزب الشعب عن الحزب الوطني الاتحادي ذهب أكثرهم ومنهم “الشاذلي الشيخ الريح” الذي كان نائباً في البرلمان؛ ذهب إلى الحزب الوطني الاتحادي وانضوى تحت قيادة إسماعيل الأزهري وكانوا يميزون بين الدين وبين السياسة، والانتماء إلى طريقة أو طائفة أو غيره لا يعني أن يترتب عليه ارتباط سياسي، وفي عام 1985م أحد شيوخ الأنصار في كوستي انتمى لحزب البعث العربي الاشتراكي وعمل في الدعاية الانتخابية للمرشح الدكتور “عثمان الشيخ”، وطرح عليه سؤال من قبل شيوخ الأنصار “أنت أنصاري كيف تعمل مع حزب البعث العربي الاشتراكي عوضاً عن العمل مع حزب الأمة”؟ وقال لهم: “أنا أنصاري وشيخ من شيوخ الأنصار وانتمائي للأنصار والتزامي بالراتب لا ريب فيه، ولكن انتمائي لحزب البعث هو خيار سياسي وهذا شيء يختلف عن الخيار الديني”.

 

لم أكن ختمياً في يوم من الأيام وأنا منذ نعومة أظافري وجدت أهلي يلتزمون بخط الحزب الوطني الاتحادي وبإسماعيل الأزهري ويرفضون تدخل السادة في العمل السياسي، لم أكن ختمياً ولم ألتزم بأية طريقة من الطرق وأنا أصلي في أي جامع أجده أمامي بصرف النظر عن النوع أو الصفة العامة لهذا الجامع سواء أكان منتمياً لهذه الطريقة أو تلك، وفي تاريخه الطويل لم يعرف السودان التعصب الديني وكانت السياسة منفصلة تماماً عن الدين، وأحزاب “ الأمة” و”الوطني الاتحادي” كان بها في مكاتبهما السياسية مسيحيون، وكان لدينا في مدينة “الأبيض” شخص اسمه (الياس فحام) وهو مسيحي من المشرق العربي، وكان يترشح في انتخابات البلدية ويفوز في هذه الانتخابات بأصوات المسلمين السودانيين، وليست هناك عصبيات دينية أو عنصرية أو جهوية أو قطرية، بل كانت هذه من الأشياء المرفوضة في المجتمع السوداني لأننا قبيل دخولنا للمدارس كنا نتعرض لما يشبه المعاينة وتلقينا من أهلنا أنك إذا سئلت ما هو جنسك؟ عليك أن تجيب بأنك سوداني ولا تذكر قبيلة أو جهة، وفي الحقيقة لم نكن نعرف قبيلة أو جهة وكنا نعرف أننا سودانيون.

 

كيف ترقيت تنظيمياً إلى أن أصبحت عضواً بالقيادة القطرية والقومية؟

الصعود في الحزب يتم عن طريق الانتخابات وأنا منذ عام 1970م عضو في قيادة الحزب في القطر وفي عام 1975م تم إعادة انتخابي وكنت معتقلاً في ذلك الحين، وفي المؤتمر الثاني عشر للحزب الذي عقد في “بغداد” تم انتخابي عضواً في القيادة القومية للحزب وكان ذلك في عام 1992م، وكان من المفترض أن ينعقد مؤتمر آخر ولكن جاء الاحتلال وحال دون انعقاد مؤتمر قومي آخر، والتصعيد في حزب البعث يتم عن طريق المؤتمرات والانتخابات ومن يصعدوا للقيادات في الحزب هم من يرى المؤتمر أنهم الأجدر في هذه المرحلة بقيادة الحزب حسب رؤية المؤتمر، وهذا شيء يخضع للنظام الداخلي للحزب.

 

الصعود التنظيمي السريع لعلي الريح موضع تساؤل.. كيف استطاع علي الريح أن يكون من البعثيين المقربين لصدام حسين بخلاف بقية السودانيين الآخرين؟

السودانيون في القيادة القومية كان أولهم الشهيد “محمد سليمان الخليفة” وكان عضواً فاعلاً في الحزب على المستوى القومي، وحينما حدثت ردة 23/ شباط - فبراير 1966م حيث قام انقلاب ضد الحزب في سوريا وانتحل اسم الحزب كان “محمد سليمان” من المقاومين الأشداء لهذا النظام ولاعتبار أن النظام الانقلابي في 1966م قد استهدف قيادات الحزب وكوادره المتقدمة مما أدى إلى شلل القيادة القومية، بادر وقتها “محمد سليمان” مع بعض الرفاق إلى تشكيل مكتب الاتصال القومي وإلى عقد مؤتمر قومي وانتخاب قيادة قومية، وانتخب هو أحد أعضائها وظل كذلك إلى عام 1971م حيث استشهد في الأراضي السعودية، ثم من بعد ذلك وفي المؤتمر الحادي عشر 1977م تم انتخاب المرحوم “بدر الدين مدثر” عضواً في القيادة القومية، وكان موجوداً في “بغداد” وهو الذي كان على صلة حميمة إلى جانب رفاقه الآخرين في القيادة القومية بالرفيق القائد الشهيد صدام حسين وبالقائد المؤسس ميشيل عفلق، واستمر عضواً في القيادة القومية حيث أعيد انتخابه في عام 1992م عضواً بالقيادة القومية، ولم أكن متميزاً عليه في العلاقة مع القائد الشهيد صدام بل هو كان أقرب إليه بحكم مشاركته في العمل القومي منذ عام 1973م حيث خرج من السودان في ذلك العام وظل مشاركاً في العمل القومي وفي بناء كثير من تنظيمات الحزب على امتداد الوطن العربي، وبالنسبة لي ولغيري من الرفاق في القيادة القومية علاقتنا بالرفيق القائد صدام حسين أننا كنا أعضاء قيادة واحدة وهي قيادة من عشرة أعضاء وهو كان أمين عام هذه القيادة، والعلاقات ضمن هذه القيادة علاقات موضوعية وليست علاقات قرب من (فلان) أو بعد عن (علان) أي أن القائد صدام كان يقيم علاقاته مع رفاقه في القيادة بشكل موضوعي جداً؛ ولكن بالتأكيد كان الرفاق الأقدم في القيادةأقرب للقائد ولكلمتهم وزن أكثر عند القائد من الأعضاء الجدد، ولذلك لم أكن مميزاً في القيادة القومية كسوداني أو في علاقتي بالقائد الشهيد،

 

من خلال وجودك مع القائد الشهيد صدام حسين في الاجتماعات السياسية ما هي أبرز السمات التي تميز شخصيته مع العلم أن هناك حديثاً عن أن شخصيته دكتاتورية؟

أبرز سمات القائد الشهيد هي التواضع وسعة الصدر والقدرة على الاستماع لآراء الرفاق الآخرين ودائماً كان يدلي برأيه كآخر المتحدثين، وفي أية قضية تطرح لم يكن يبادر بإبداء رأيه حتى لا يؤثر على قرار القيادة، وكان يستمع لكل الآراء ولم يكن يتردد في التراجع عن أي قرار أو رأي أبداه إذا ما وجد أن رأي الآخرين هو الأصوب من رأيه، وكان ملتزماً بالقيادة الجماعية في إطار القيادة القومية، وعلينا أن نميز بين صدام حسين كقائد للحزب وبين صدام حسين كرئيس لدولة العراق، وللرئاسة صلاحياتها ومسؤولياتها وللدولة آلياتها في العمل وللحزب آلياته المختلفة، وصدام حسين إلى جانب أنه شخصية متسامحة كان رجلاً ودوداً جداً في علاقته برفاقه سواءً أكانوا في القيادة القومية أو في القيادات الأخرى وكان دائماً يشعر بالفرح والسعادة عندما يلتقي بكوادر قيادية أو أعضاء من تنظيمات الحزب في الأقطار العربية الأخرى، ويسود جو من المرح في لقائه بهؤلاء الرفاق بجانب التفاعل الحميمي والحب الخالص الذي يكنه لرفاقه في مختلف الأقطار العربية ويعتز بالمناضلين وبالمضحين، إضافة إلى صفاته الأخرى المعروفة مثل الكرم والشجاعة والانتماء الصميمي للبعث فكراً وتنظيماً،.. وطيلة فترة الحصار منذ عام 1991م وحتى عام 2003م كان يجد الوقت ليكتب موضوعاً حول (من نكسب وكيف ننظم) وهو موضوع تنظيمي محض يتعلق بالكسب الحزبي والتنظيم الحزبي، ويتمتع بأفق واسع وكان شخصية عبقرية فذة أنجبتها هذه الأمة الولود القادرة على إنجاب العشرات من أمثاله ليقودوا هذه الأمة من واقع التجزئة والتخلف والتبعية إلى واقع النهضة والوحدة والتقدم.

 

هناك خفايا وأسرار لم تنشر بعد نريد منك أن تحدثنا عنها وتحديداً أدوار السودانيين البعثيين في العراق؟

السودانيون هناك كانوا نوعين، نوع متفرغ للعمل الحزبي القطري في العراق، ونوع آخر كان متفرغاً للعمل الحزبي القومي لاعتبار أن حزب البعث هو حزب قومي وليس حزب قطر من الأقطار، ولأي عضو فيه في المستويات القيادية مسؤوليات لا تتعلق فقط بالقطر وإنما تتعلق بكل ساحة الوطن العربي، وإلى جانب ذلك الحزب ملتزم بأن السياسة ضمن كل قطر هي من صلاحيات القيادة الموجودة داخل القطر وليس من صلاحيات القيادة القومية التي ترسم الإستراتيجية القومية للحزب على امتداد الوطن العربي، ولكن الإستراتيجية الوطنية يرسمها الحزب ومؤتمراته وقياداته المحلية في الأقطار العربية، وتنظيمات الحزب في الأقطار هي التي ترسم سياساتها والقيادة القومية مهمتها تدعم وتوصي وتعزز وتتابع التزام التنظيمات في الأقطار العربية بالإستراتيجية القومية العامة، وأن من مهام القيادة القومية  الحفاظ على وحدة الحزب ، وأن لا يخرج تنظيم من التنظيمات عن الوحدة القومية للحزب، وكل بقية الصلاحيات السياسية والتنظيمية هي للقيادات الحزبية في كل قطر من أقطار الوطن العربي.

 

السر الوحيد الذي يمكن أن أفشيه لك على الرغم من أنه لم يعد سراً هو أن القيادة القومية بعد تحرير مدينة (الفاو) في عام 1988م كانت تتوقع عدواناً أمريكياً على العراق، وقبيل دحر إيران بشكل نهائي ففد كان تحرير (الفاو) بوابة لدحر إيران، والجيوش الإيرانية  والقطعات الإيرانية بدأت تنهار أمام الجيش العراقي، وقد انهارت تماماً في 8/8/ 1988م ولكن قبل ذلك بعثت لنا القيادة القومية في حين أنني لم أكن عضواً بالقيادة القومية بل كنت مسؤولاً عن تنظيم الحزب في السودان، بعثت لنا القيادة القومية رسالة مفادها أنه تم تحرير مدينة (الفاو) والقطاعت الإيرانية بدأت تنهار ونتوقع هزيمة كاملة للعدوان الإيراني على العراق وتحرير كافة الأراضي التي احتلتها إيران على الحدود العراقية، ولكن بعد فشل إيران نحن نتوقع عدواناً أمريكياً على العراق بالأصالة فإيران كانت تحارب لمصلحة أمريكا بالوكالة، والآن نتوقع عدوان بالأصالة من قبل الغرب الاستعماري بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وفعلاً بعد ذلك بدأ تحشد القوات الأمريكية في الخليج والكويت للانقضاض على العراق.

 

ما هي علاقة علي الريح السنهوري بالمقاومة في بغداد وكيف كنت توجد في بغداد وتمارس نشاطك في تلك الظروف العصيبة؟

بشكل عادي ومن الصعب الحديث عن تلك الفترة الآن ... ولكن كان الواجب الحزبي يقضي بمتابعة خروج السودانيين من العراق وخصوصاً الأسر السودانية وكان لابد من الإشراف على خروجها من العراق وبوجودي في بغداد بعد الاحتلال كان شيئاً طبيعياً أن أكون جزءاً من النشاط الحزبي القائم لإعادة بناء التنظيم وتنظيم الرد على الاحتلال وغيره، وشأني في ذلك شأن أي بعثي يؤدي واجبه من موقعه المحدد، وعضو القيادة القومية يؤدي واجبه من موقعه والأعضاء الآخرون يؤدون واجباتهم من مواقعهم.

 

أيام الاحتلال يذكر أن القيادة الوحيدة التي بقيت في العراق وتقدمت الصفوف في المقاومة هي القيادة السودانية وكان يقودها علي الريح السنهوري حدثنا عن هذا الأمر وكم بلغ عدد السودانيين البعثيين الذين استشهدوا في العراق؟

من الصعب أن أؤكد أنني كنت أقود أو لا أقود لكن بالنسبة لأعضاء القيادة القومية وأعضاء القيادة القطرية جميعهم كانوا موجودين في المقاومة عدا الذين تم اعتقالهم من اللحظات الأولى، وكل أعضاء القيادة القومية والقطرية كانوا موجودين في مختلف سوح العراق وكان كل منهم أينما وجد ينظم ويؤدي واجبه في المنطقة التي يوجد فيها في مختلف المناطق، وكان لا يوجد فاصل زمني بين مقاومة العدوان من قبل الدولة العراقية ومقاومته شعبياً. يوم 9/ أبريل اليوم الذي دخلت فيه القوات الأمريكية بغداد بدأت المقاومة الشعبية المسلحة للعدوان وللاحتلال وهذا كان أمراً ملفتاً، وهذا يعود إلى أن قيادة الحزب في العراق عملت على تأهيل وتدريب وتسليح الشعب العراقي طوال العقود الماضية، وأنت في سياق سؤالك قلت إن صدام ديكتاتوري لكن الديكتاتور يخشى من شيئين أولهما يخشى أن يتسلح شعبه بالوعي ويخشى أن يتسلح شعبه بالسلاح، وحزب البعث بقيادة “صدام حسين” عمل على تسليح هذا الشعب بالفكر والثقافة والوعي والتأهيل الأكاديمي والتأهيل الفني وخلق قاعدة علمية ضخمة، وهذا يؤكد أن الحزب لم يخش أن يكون شعبه شعباً مسلحاً وهذ هو سر انطلاق المقاومة فوراً يوم 9/ أبريل.

 

حسناً : كم عدد البعثيين السودانيين الذين استشهدوا في المقاومة العراقية تقريباً؟

والله أنا لا أدعي أني أمتلك رقماً دقيقاً عنهم لاعتبار أن المقاومة استمرت وظلت موجودة بعد الاحتلال لفترة طويلة، ويمكن إرجاء هذا السؤال لمقابلة أخرى حيث يمكن أن أعطيك عدداً أدق لأنني غير مهيأ الآن للرد ، لكن منهم الشهيد “فضل الله متيرب”

وكل من موقعه.

 

بداية أيام المقاومة ما هو السبب الذي أدى إلى بقاء علي الريح السنهوري وخروج المرحوم بدر الدين مدثر من العراق؟

الأستاذ بدر الدين مدثر كان مريضاً قبل الاحتلال بفترة، كان مريضاً مرضاً شديداً بحيث أنه كان لا يقدر على الحركة وحتى بعد أن عاد إلى السودان ظل مريضاً لفترة طويلة إلى أن توفي إلى رحمة ربه، إضافة إلى أن الأستاذ بدر الدين كان مكشوفاً بشكل واضح في العراق ومعروفاً بشكل واسع جداً لأنه كان في الغالب هو والأستاذ “طه يس رمضان” يضعان أكاليل الزهور في كل المناسبات القومية ويظهر في التلفزيون بينما أنا ورفيق آخر من أعضاء القيادة كنا لا نظهر إعلامياً على الإطلاق، لكن السبب الأساس لعودته إلى السودان هو أنه كان مريضاً مرضاً شديداً.

 

في ظل الحرب وبعد دخول الجيش الأمريكي إلى بغداد كيف استطاع علي الريح السنهوري العودة إلى السودان وكيف تمت هذه العملية وكيف نجوت من عمليات الاغتيال ؟

الاحتلال في الشهور الأولى لم يكن لديه الأجهزة والتقنية التي تستطيع أن ترصد، والبعثيون العراقيون في الشهور الأولى قالوا هذه شهور سماح إلى أن يتمكن النظام من بناء أجهزته نستطيع أن نتحرك بكل حرية، وكنا نتحرك من “ الموصل” إلى “الحصيبة” بكل حرية لاعتبار أن الاحتلال وعملاءه ليس لديهم الأجهزة الكافية للرصد والمتابعة ولا توجد مشكلة في الحركة وكل الكوادر العراقية المكشوفة كانت تتحرك، وبالتدريج بدأوا يبنون في أجهزتهم وجاءوا بالعملاء بأعداد كبيرة من إيران والكويت ودول أوربا الشرقية ودخلوا العراق وبدأوا يرصدون وبعدها حققوا بعض القدرة على اعتقال بعض الرفاق بينهم القائد الشهيد نفسه ولا يزال إلى الآن الأستاذ “عزت إبراهيم” وعدد من أعضاء القيادة يتحركون داخل العراق مع وجود كل الأجهزة الاستخباراتية ومع الجوائز الضخمة المرصودة لمن يدلي بأي معلومات تقود إلى اعتقالهم أو العثور عليهم، ومع ذلك يتحركون في كل العراق ويؤدون واجباتهم وهم يجوبون كل أرض العراق محميين بشعب العراق،.. فالمقاومة العراقية لم تتوفر لها ظروف طبيعية تمكنها من أن تحتمي بغابات وجبال، والعراق بلد منبسط ولكن المقاومة احتمت من اليوم الأول بالشعب واستمدت حمايتها من الجماهير وليس من الطبيعة، والمنطقة الوحيدة التي بها جبال هي المنطقة الشمالية على الحدود مع إيران وتركيا، وهذه المنطقة كانت تحت نفوذ القوى المرتبطة بإيران وتركيا وتحت نفوذ الأحزاب التي أتت مع المحتل في الشمال، بينما المقاومة أساساً بدأت في بغداد والوسط والشرق والجنوب .

 

ما هي الأسباب التي أدت إلى الانقسامات التي حدثت لحزب البعث العربي الاشتراكي في السودان؟

الحزب في السودان ليس فيه انقسامات، وفي السودان يوجد حزب البعث العربي الاشتراكي اضطررنا لتسجيله ونسميه “الأصل” تمييزاً له من بعض الواجهات الأخرى، هناك عناصر تساقطت من الحزب ولا تشكل انقساماً، وكما تعلم أن أية مجموعة يمكن أن تذهب وتسجل حزباً باسم حزب البعث ولكن ما استغرب له هو السؤال عن الانقسام ونحن نلاحظ أن مختلف الأحزاب السياسية في السودان حدثت فيها بالفعل انقسامات حقيقية وكل من خرج منها خرج بقطاع واسع من الحزب وشكل تنظيماً له تأثيره في المجتمع وموجوداً ومحسوساً أو بعضها على الأقل، ولكن في حزب البعث من خرجوا منه ليس لهم وجود على أرض الواقع سوى وجودهم في الإعلام، ونحن بالنسبة لنا هذه المسألة لا تشكل هاجساً أو مشكلة بل أن علاقاتنا الشخصية بهؤلاء الحزبيين السابقين علاقات طيبة والإصرار على تسمية البعث تدل على تعلقهم بهذا الحزب وهناك من سموا اسماً آخر غير البعث العربي، وهذه المسألة لا تمثل بالنسبة لنا قلقاً وفي كثير من الأحيان نجد أنفسنا معهم وتحديداً في الموقف تجاه القضايا الوطنية والقومية إلا من خرجوا عن فكر البعث وخطه السياسي  وهذه المشكلة موجودة عند الأحزاب الاخرى التي صارت أحزاباً في الحقيقة وليس حزباً واحداً والتي تحفل الصحف بصراعاتها وصراعات مراكزها وهكذا.

 

العلاقة بين البعث والاتحادي الديمقراطي .. تحديداً نتساءل حول علاقة صدام حسين مع الاتحاديين؟

علاقة البعث بالاتحاديين علاقة قديمة. في الستينيات توجّه عدد من البعثيين إلى مركزي الحزب الاتحادي (الوطني الاتحادي وحزب الشعب) بهدف تقريب الشقّة بينهما وإعادة لحمة الوحدة لهذا الحزب، وقد نجحوا في دفع الحزبين إلى التوحّد. وفي عهد نميري بعد خروج الصادق المهدي على الجبهة الوطنيّة وانفراط عقدها اتّجه الشريف حسين الهندي إلى التّحالف مع البعث، وقتها كان موجوداً خارج القطر ولذلك أقام علاقات مع الرفيق المرحوم بدر الدين مدثر في بغداد وعبره أقام علاقات مع العراق. وبعد وفاة الشريف حسين تشكّل تجمّع الشّعب السّوداني؛ وكان يضم البعث العربي الاشتراكي والاتحادي والأمّة جناح الهادي وحزب سانو، بقيادة صمويل أرو، وتضامن غرب السودان. الاتّحاديّون يومها كانوا أقساماً متعددة؛ قسم يقوده الأستاذ علي محمود حسنين - كان أكثر فعالية في علاقته بالبعث - وتجمّع الشّعب السوداني، وقسم يقوده المرحوم الحاج مضوّي وآخر بقيادة المرحوم محمد عثمان عبد النّبي المرتبط بالسيد محمّد عثمان الميرغني، وقسم يقوده المرحوم مبارك الفاضل شدّاد، والأخير كان يسعى مع البعثيين لتوحيد فئات الاتحاديين في حزب واحد. ومن ثم التقينا مرّة أخرى في التجمع الوطني في فترة ما بعد الانتفاضة ثمّ افترقنا بعد أن صار الحزب الاتّحادي في الحكم ثمّ التقينا مرّة أخرى في بدايات عَهد الإنقاذ في التجمّع الوطني قبل أن نفترق بخروج قيادة التجمّع إلى الخارج. هذه باختصار هي العلاقة بيننا والاتحاديين.

 

هل هناك دعم كان يقدّمه حزبكم للاتحادي الديمقراطي؟

- أهم أنواع الدعم تمثّلت في الدّعم السياسي والمعنوي لأنّنا كنّا في حلف قوي إبّان فترة نميري الأخيرة، ولعب تجمّع الشعب السوداني بكل أجنحته النقابيّة والشعبيّة والعسكريّة دوراً أساسيّاً في إسقاط مايو، وفي انحياز القوّات المسلّحة للانتفاضة في أبريل. يومها شكّل الأستاذ علي محمود حسنين العنصر الأكثر فاعليّة في هذا التحالف.

 

في سياق الحديث عن الدّعم ثمّة ما مفاده أنّ صدّام حسين قدّم عدداً من العربات كهدايا.. كيف تعلّق على هذا الحديث؟

لا.. لا توجد عربات قدّمت. حتّى لو كانت موجودة لظهرت، هذه مسألة من الصّعب إخفاؤها. ولكن عند زيارة محمد عثمان الميرغني إلى العراق إبّان احتلال الحركة بدعم إثيوبي لمدينة «الكرمك» كان العراق المشغول بحرب وصدّ العدوان الإيراني مهموماً أيضاً بوحدة السّودان، وقرّر دعمه عسكرياً، وقد طُرِح الأمر للأستاذ المرحوم بدر الدّين مدّثر الذي كان حينها موجوداً في بغداد، لكنّ الأخير آثر أن يتم الدّعم عبر السّيد محمد عثمان الميرغني الذي كان يخطّط لزيارة مُرتَقبة بعد عدة أيّام للعراق، وجاء الدّعم عن طريقه وأدّى إلى تحرير «الكرمك»..

الدّعم كان للسودان ولشعب السّودان، ولم يكُن لشّخص بعينه، حزب البعث لم يكن مشاركاً في السّلطة وآثر أن يأتي الدعم عن طريق محمّد عثمان الميرغني كشريك في السلطة السياسيّة في البلد.

 

حسناً؛ بَعض أعضاء التجمّع الوطني الدّيمقراطي اعترفوا بأنّ صدّام قدّم لهم دعماً عسكريّاً؟

في فترة مُعارضَة الإنقاذ العراق لم يقدّم دعماً للمعارضة، وأؤكّد لك أنّ العراق لم يدعم أيّة معارضة لأيّ قطر بالسلاح. الدّعم الوحيد الذي كان هو للفصائل الفلسطينيّة من مال وسلاح. نحن لم نكن حتّى جزءاً من التّجمّع الوطني الديمقراطي المعارض عندما كان يقيم في القاهرة وأسمرا، ولم نَكن مع العمليّات العسكريّة التي كانت تُدار من إريتريا. كنّا نعلم أنّ الدّعم الأساسي لهذه العمليات دعم أمريكي ومعلن من قبل الكونغرس الأمريكي بهدف الضغط على النّظام في السودان، لتحقيق أهداف ضارّة بالسودان كبلد وليس بالنظام السياسي، لذلك حزب البعث كان ضدّ المعارضة من الخارج، وضدّ العمليّات المسلّحة من الخارج والتي بالضّرورة يتطلّب نشاطها دعماً بالسلاح والمؤن وبالذخيرة والمال وقوى الدعم لا بدّ أن تؤثّر على قرارك السياسي. نحن اعتبرنا هذه المسألة تقود إلى التبعيّة ورهن القرار السياسي لإرادة خارجيّة ليست بالضرورة منسجمة مع مصالح هذا البلد، بل تعبّر عن مصالح القوى الداعمة وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأمريكيّة. وإذا كان هذا موقف حزب البعث فلا يمكن للعراق أن يقدّم دعماً عسكرياً للمعارضة بالخارج.

 

ما هو مستقبل حزب البعث في ظلّ التحوّلات التي أفرزتها ثورات الربيع العربي؟

حزب البعث يعتبر ما يحدث الآن من انتفاضات في الوطن العربي نتيجة طبيعية لما بشّر به حزبنا منذ سبعة عقود بأنّ شباب هذه الأمّة سوف يلعبون دوراً تاريخياً مهماً في الانقلاب على هذا الواقع، والانتفاضات أثبتت أنّ هذه الأمة أمّة واحدة، وأنّها تتفاعل وتتجاوب مع بعضها البعض، من أقصى الخليج إلى أقصى المحيط، وهذه حقيقة يؤكّدها حزب البعث على الدوام بأنّ هذه الأمّة يربطها وجدان ومصير ومستقبل ومصالح واحدة، ولكن الأنظمة المتحكّمة هي التي تُقعِد بها عن تحقيق مشروعها الحضاري النهضوي. الانتفاضة الشعبيّة هي بالتأكيد عفويّة؛ لا يقودها حزب بعينه، بل بالعكس - كما حدث في السودان في أكتوبر وأبريل - لكنّها بالضرورة لا بدّ أن تُفضي إلى إسقاط الدّيكتاتوريّة وبناء نظام تعدّدي، وفي ظل التعددية ليس بالضرورة أن تظهر القوى الحيّة التي أسقطت النّظام القديم وأن تتحوّل هذه القوى الحيّة إلى بديل للنظام القديم. نحن الآن في السودان نُناضل ضد نظام الإنقاذ ولكن القوى الحيّة التي ناضلت في أكتوبر وأبريل والتي تُناضل ليس بالضرورة أن تكون بديلاً للنظام القائم. البديل الذي يأتي عن طريق صناديق الانتخابات يأتي كانعكاس لواقع التّخلّف من ناحية وكانعكاس لقوى التّخلّف في المنطقة التي تسند هذه القوى في السودان، وأيضاً للقوى الخارجيّة والأجنبيّة التي تسعى لتعزيز قوى التخلّف منعاً من تحقيق هذه الانتفاضات لتغيير جذري في البنية القائمة. وتحرّر هذه الأمة مواجه بعقبات كثيرة، ولذلك التّحرّر لم يتم بضربة معلّم، والانتفاضة الشّعبية العربيّة هي خطوة مهمّة جداً في الطّريق، وهي التي جعلت الشعب العربي يقف في الشارع لعام كامل في اليمن ويطالب بتحقيق الديمقراطية الحقيقيّة وتحديث الدولة وآلياتها وأساليبها، وهذا الشعب لن يعود ثانية إلى ثكناته ويترك الأمور كما كانت تجري في السّابق بواسطة أفراد يتحكّمون في مصائر البلد. هذا الشعب انعتق من الوصاية والتسلّط، والطّريق أصبح مفتوحاً أمام حركة التقدّم، وهذا الطريق يحتاج إلى صبر وأنّ تعمل القوى الطليعيّة لتنظيم هذه الجماهير التي انتفضت عفوياً حتّى تصل إلى أهدافها البعيدة. كثيرٌ من النّاس الآن في الوطن العربي يشعرون بالإحباط لعدم تحقيق أهدافهم ولاعتبار أنّ هناك قوى أخرى جاءت وتربّعت في السلطة، سواءً عن طريق تسوية أو عن طريق الانتفاضة، وهذا شيء طبيعي، ولكن هذا الأمر يحتاج لمواصلة قوى الثورة لنشاطها وتنظيمها حتى تستطيع أن تنتزع السّلطة وتؤثّر في القرار السياسي لمصلحة حركة النهضة والتقدّم في الوطن العربي.

 

ما هي آفاق الفكر القومي العربي في ظلّ الصّعود الكاسح للتيّارات الإسلاميّة في المنطقة العربيّة؟

هذا صعود مؤقّت وهو انعكاس للواقع القائم الآن؛ واقع التّخلّف الموروث من الأنظمة الديكتاتوريّة التي أشاعت الفتن والطائفيّة والجهويّة والقبليّة وفتّت المجتمعات ومزّقت نسيجها، ولم تكن هناك حركات قادرة على النّشاط والعمل إلا الحركات المُتصالِحة مع هذا الواقع والتي تعمل في المساجد أو في البُيوت، وترفع شعاراً عاماً هو الإسلام دون أن تستخلص من هذا الإسلام برنامجاً محدّداً، وأكثريّة الأمّة العربيّة وأكثريّة السّودانيين هُم مُسلِمون بالفطرة وبالوراثة وبالهويّة، وهؤلاء يستغِلّون الواقع القائم وهذه ليست حركات تغيير للواقع وليست حركات انقلاب على واقع متخلّف لا ينفع معه الترقيع ولا الإصلاح، بل واقع يحتاج إلى تغييرجذري ، لذلك من الطبيعي بعد الانتفاضة أن تحكمنا ذات القوى التي يفرزها الواقع المتخلّف. وحتى في السودان اليوم إذا انتصرت الانتفاضة على نظام الإنقاذ لا نتوقّع أن يأتي بديل حقيقي لنظام الإنقاذ، بل ستأتي نفس القوى التقليديّة التي يفرزها واقع التخلّف والتبعيّة وهذه القوى هي التي تصل عن طريق صناديق الانتخاب للسلطة. نحن مهمتنا في الوطن العربي عموماً أن نحافظ على حيوية الشباب وقوى الانتفاضة والثورة ونوفر لها الأطر التنظيمية والسياسية التي تدفعها في اتجاه إنجاز تغيير حقيقي في هذه المجتمعات، والآن الحركات الإسلامية التي صعدت - ونموذجها مصر -  قبل أن تتمكّن تماماً من السلطة بدأت تواجه معارضة واسعة جداً من الجماهير، وهذه الحركات الإسلامية جميعها اعتمدت نظرية التمكين وتحوّلت لقوى رأسمالية  لديها مصلحة مع فئات موروثة من الأنظمة السابقة وهي بالضرورة متناقضة مع مصالح الجماهير الكادحة في البلد، وهي عملية صراع سيستمر.

 

في الفكر القومي؛ ما هو الفرق بين دعوة جمال عبد الناصر للوحدة العربية ودعوة البعثيين وهل هناك انقسام بين القوميين العرب؟

القوميّون العرب تيّار واسع ويتضمّن في داخله اتّجاهات أهمّها «البعثيّون والناصريّون» ودار حوار عميق منذ ثلاث سنوات بين البعثيين والناصريين لأجل بناء جبهة شعبية قومية تضم كل القوى القومية والوطنية في الوطن العربي، وكان يقود هذا الحوار الأستاذ المرحوم عبد الله الحوراني من قطاع والحوار   لا يزال جارياً بين التيارين الرئيسيين في الوطن العربي؛ (البعثيين والناصريين) ونأمل أن يفضي إلى قيام جبهة قومية عريضة تضم كل القوى القومية الوطنية ذات الأفق القومي في الوطن العربي لمواجهة التحديات والمخاطر المحدقة به.

 

ما هو موقف حزبكم من القضايا الوطنيّة الرّاهنة التي يمُر بها السودان حاليّاً؟

القضايا الوطنية كثيرة لكن مركز هذه القضايا هو وجود نظام لحزب واحد متفرّد بالسّلطة يرفض إجراء تحوّل ديمقراطي حقيقي، أدّت سياساته إلى التفريط في وحدة البلاد وتجزئتها وإلى إثارة نزعات قبليّة وجهويّة وعنصريّة وإلى إفقار أوْسع جماهير الشّعب وإلى تراجع مستوى الخدمات الصحيّة والتعليميّة في البلاد، وأدّت إلى الخراب الاجتماعي والتّدهوُر الاقتصادي. هذا النظام لم يعد قادراً على إدارة دفّة الحُكم في البلاد وأعتقد أنه نظام منهار تفشّت الخلافات داخله، والصّراعات بين أركانه، ولم يعُد قادراً حتّى على انتهاج سياسة واحدة تجاه أيّة قضيّة من القضايا، وفي كلّ القضايا نجد أنّ هناك سياسات متعددة، ووصل الأمر ببعض أطرافه حتّى للمطالبة بالتطبيع مع الكيان الصّهيوني رغم ادّعاءاتهم أنّهم يحملون لواء الإسلام والجهاد وغيره..!! هذا هو واقع النظام القائم تواجهه معارضة يجمع بينها ما دون الحدّ الأدنى، معارضة العلاقات بين أطرافها لا تزال علاقات ضعيفة متوحّدة في منبر قوى الإجماع الوطني الذي  يمارس دوره في التعبئة السياسية ولكن بحكم طبيعة القوى المشكلة لهذا المنبر لم يتحول إلى جبهة أو إلى تحالف حقيقي، وهناك حركات أخرى خارج إطار التجمع الوطني انتهجت أسلوب الكفاح المسلح وهو أسلوب مؤذٍ للبلد ووحدته ومن شأنه أن يشوّه علائق الإخاء الوطني بين أبناء القطر الواحد، مع وجود شعب واعٍ صابر متحفّز للنضال ومستعد للتضحية في سبيل تحقيق أهدافه. المتوقّع أن  يقود هذا الشعب  انتفاضة عفوية تسقط هذا النظام كما حدث في أبريل وأكتوبر وكما يحدث في الوطن العربي، ولكن هذه الانتفاضة ستفرز قوى جديدة في المجتمع السوداني هي ليست الأحزاب القائمة الآن. هذه القوى ستتطور من خلال الصراع السياسي والاجتماعي إلى أن تستطيع أن تحقق ما هو أعلى من إسقاط النظام الذي ليس هو الحل في حدّ ذاته. الطريق لبناء ديمقراطية تتناسب مع أوضاع السودان وبناء حركة لتطور البلد وإخراجها من أزمتها لا زال طريقاً طويلاً وعلى الشباب أن يتعاملوا معه بنفس طويل والمسألة ليست مسألة ضربة واحدة ويسقط النظام وتحلّ المشاكل جميعها. المشاكل ستظلّ موجودة ولكنّ حلّها يحتاج إلى جُهدٍ كبير. ما يهمّنا نحن في هذه المرحلة ومرحلة ما بعد إسقاط النظام هو تعميق علائق الوحدة الوطنية.

 

لكنّ أحزاب المُعارضة نفسها غير متّفقة على وسائل وأهداف إسقاط النظام ومنقسمة على نفسها، وهناك من يدعو إلى إسقاط النظام بالطرق السلميّة وهناك من يحمل السلاح.. في ظلّ هذه المعادلة كيف يتمّ التغيير؟

حمل السلاح ليس طريقاً لإسقاط النظام، والذين يحملون السلاح الآن جميعهم دخلوا في حوار مع النظام ولم يختلفوا حول طبيعة النظام، بل اختلافهم كان حول مواقعهم وحصّتهم في السلطة، جرياً وراء شعارات تقسيم السّلطة والثروة..!! وهذه الشعارات شعارات مضللة. كأنّما القضية هي أنّ هناك ظلماً يحيق بنخب المجتمع السوداني في مختلف مناطقه وعلينا أن نرضي هذه النخب؛ ومن يرضيها النظام تتفق معه ومن لا يرضيها تحمل السلاح ضدّه..!! بينما الشعب  من أقصى شرق السودان إلى أقصى غربه يعاني الأمرين في ظل هذا النظام والقضية بالنسبة له ليست قضية تقاسم سلطة وثروة بل هي قضية تغيير كامل في النهج الاقتصادي وقضية عدالة اجتماعية وتنمية متوازنة وقضية تعددية ثقافية في إطار الثقافة العامة، ولديه قضايا متعددة يناضل من أجلها، والملاحظ أن النخب تناضل من أجل قضايا تعبر عن مصالحها وليس عن مصالح جماهير الشعب، ونحن نؤمن بالنضال السلمي الديمقراطي وليس بحمل السلاح ونعتقد ونثق في شعبنا ونؤمن بأن شعبنا قادر على أن يمسك بزمام أموره وقادر على أن يتخلص من الديكتاتورية والتسلط والوصاية وقادر على أن يشق طريقه نحو المستقبل ولن يرتهن لأي قوى سياسية من القوى التقليدية أو قوى التخلف وسيتجاوز كل هذه القوى.

 

 





السبت٠٧ جمادي الاخر ١٤٣٣ هـ   ۞۞۞  الموافق ٢٨ / نيسان / ٢٠١٢م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة