شبكة ذي قار
عـاجـل













قـَمَـرُ الكـَـرْخ

( سيرة دربونة بغدادية )
إلى أمي مليكة حمادي

وإلى ذكرى دربونة زنْگوّْ .. لوحة التنوير الأولى

( الحلقة التاسعة )

( الجزء الثاني )

 

أيام المُلاّ

 

الملا حميد عبد اللطيف الراوي (1868 – 1956)

(1)

 

أستاذي وشيخي ، تلقيت على يديه دراستي . في مرحلة لاحقة ، فأعادني إلى (جزء عمّ) بعد أن قاربت الانتهاء من الجزء الخامس والعشرين ، ولم يبق أمامي إلا خمسة أجزاء لختم القرآن ، الذي أذكره إنني بدأت الرحلة في (جامع عطا الصغير) من بداياتها الأولى .

الملا حميد ، ليّن ، متواضع ، مستبشر ، هادئ الطبع ، خفيض الصوت ، عذب العبارة ، تحسبه أباً ودوداً طيباً . تحت ظله وبإشرافه ، تعلمت ، واستظهرت الكتاب المبين .

شأنه كما الملا حماد يتابع الدارسين ، ويسدي النصح بصفة مستمرة ، ويؤكد في مواعظه ووصاياه :

"ألا ننزل النهر ، خشية أن تبتلعنا المياه العميقة أو تجذبنا (السويرة) إلى قاع الشط فنموت" !

وعند انقضاء الدوام اليومي يعيد موعظة الشط ، ويتوعد المخالفين عقاباً شديداً .

ولربط القول بالفعل ، فإنه لجأ إلى اتباع اسلوب عملي لضمان الالتزام بتحذيراته ، فعمد إلى وضع علامة زرقاء اللون على (فخذ) الأولاد ، وهي على شكل (ختم) بيضوي صغير .

ويتم هذا الإجراء في العادة قبيل (صرفة) يوم الخميس .

ويعاد فحص الدارسين صباح يوم السبت للتحقق من وجود (الختم) .

.. وبخلاف ذلك يعرض الصبي نفسه للمساءلة والعقاب .

فإذا اضمحل اللون أو اختفى تماماً فإن ذلك يعد سبباً كافياً لإجراء التحقيق ، وإذا لم يستطع الدارس ، تعليل زوال الختم بدليل ما ، أو تبريره بالاغتسال المنزلي مثلاً – فإن العقاب آت لا مناص منه .

 

وكان البعض منا ، وأنا من بينهم ، نتحايل على (تحوطات) الملا ، بأن نضع شريطاً ورقياً لاصقاً على موضع الختم قبل أن ننزل الشط ، وعندما ننتهي من السباحة نرفع الشريط عن موضعه ، فيبقى الختم سليماً على حاله .

 

(2)

 

ينتصب الشيخ على بسطة شبيهة بالأريكة وأمامه منضدة صغيرة ، يجلس الدارسون قبالته تباعاً ، للتعليم أو الاختبار ، ويبدأ فحص استيعاب الدرس السابق .

.. ثم يتلو علينا سورة جديدة ، تكون بمثابة واجب منزلي ، مطلوب حفظها في اليوم التالي .

.. الصبي يمسك (التباعة) بأطراف أصابعه يمررها فوق الكلمات ، نتابع النص ونردده من بعده .

.. وإذا أخطأ أحدنا مرة ، يتوقف الملا فينظر معاتباً ، فيعيد التلاوة ، ويكررها مرتين ، فإن عاد الصبي وأخطأ مرة أخرى . فعليه أن يتلقى جزاءه فيمسك (أذنه) ويشدها .

.. وإذا تداول الخطأ ، فإنه يحرك عصاه وينزل بها على ظهورنا ولكن من غير مبالغة أو إسراف .

 

(3)

 

.. والمدهش والرائع في هذا الرجل الجليل، أنه كان يبادر إلى مكافأة النابه الذي يحسن القراءة من التلاوة الأولى فيلقي إليه (حبة من حامض حلو) أو (مصقولة)

الدارسون جاءوا من نواحي الفحامة وأطرافها ، نتلقى الدرس في مسجده المعروف آنذاك بـ (جامع عطا الصغير) تمييزاً للجامع الأصيل ، وكان الملا حميد يقيم في (دربونة الخطاطبة) المجاورة للملا..

 

يطل الجامع  على سوق الفراوي ، قبالة الدهوانة ، ولا يبعد عن بيتنا إلا مسافة لا تزيد عن مائتي متر .

وأتى زمن (الكص) البغيض ، فأزال جامع الملا حميد ، اقتلعه من جذوره ليحلّ مكانه شارع حيفا (الجديد) ، مثلما أزاح من طريقه مسجد إسماعيل كيتخدا ، فأخذ معه طفولتنا ، وأيامنا ، ودربونة (زنكو) ..

 

هكذا غاب مسجد ملا حميد وأصبح محض ذكرى ، شأنه شأن المرابع الأخرى ،

لا يزال مشهد أيام القرآن الأولى عالقاً في قلبي ، مثلما ظل الشيخ الوقور يطل من وراء الموت ، وجهاً وضيئاً ، فرحاً مستبشراً .

 

(4)

 

عند إنتهائه من ( الختمة ) الأخيرة ، طوى الملا حميد المصحف وقبلّه ثلاثاً ، ونادى ابنته أن تسقيه ماءً .. فشرب وارتوى جالت عيناه  برهة بالمكان ، ثم استلقى على حصيرة الصلاة وهو ينظر في عيني ابنته .

"غطني .. "خلصت" ؟!

فألقت عليه الدثار .

التفت إليها مودعاً ..

وهو يتمتم بالشهادة ..

كررها ثلاثاً ..

وبعدها انطفأ الصوت .

 

الشيخ عباس حميد العزاوي

(1)

 

القبسات الروحية في صحبة التنزيل المبين ، كانت هذه المرة على يدّ الشيخ عباس حميد خضير العزاوي ، وعلى يد الشيخ الجليل درسنا أصول التلاوة الصحيحة وقواعد التجويد . وأخذ بأيدينا إلى منطقة الحوار ، وعبر بنا حاجز التردد ،  وعلمنا فن صياغة السؤال ،

لم يزّد عدد الدارسين عن ثلاثة: عبد الحليم ( نجل الشيخ عباس) وعبد الواحد عبد الله الكاظم وأنا ، وقد أفرد الشيخ الوقور فسحة صغيرة في آخرة دكانه المكتظ بـ (فردات) التبغ والتنباك.

وقد أمضيت في البداية أياماً صعبة ، وعانيت رشحاً مستديماً جراء رائحة التبغ وشدة الحرارة أيام القيظ .

 

(2)

 

عند هدأة السوق وانفضاض الزبائن ، يجد الشيخ فرصة سانحة ، ليعلمنا درس اصول الترتيل وقواعد التجويد ، ويشرح بإسهاب الرسم والهجاء ، وطرق الضبط وعلامات الوقف ، وهو في التعليم أستاذ دقيق متأن وصبور ، يعيد الدرس الواحد مرات عديدة ، ويلجأ إلى الشرح المستفيض . ولا ينتقل إلى الدرس التالي إلا بعد أن يتحقق من فهمنا واستيعابنا لما قبله .

ولا يجد غضاضة في الإعادة ، فالتكرار يفيد التأكيد حسب قوله .

والقاعدة التربوية والتعليمية الأساسية لديه هي أن تكون أميناً مع نفسك ، وصادقاً مع الآخرين

وليس ثمة من سبب يدعو الانسان إلى الخجل والحياء في العلم والتعلم ، فإن سئلت عن شيء فأجب بالحق .

وإن تلوت قرأت آية ووجدت صعوبة في ضبط كلماتها ، فعليك أن تسأل وتسأل ، وتسأل ،

فالعيب كل العيب أن تدعي الفهم وأنت خلاف ذلك .

 

(3)

 

كان يقيم وسط الفحامة وكان صديقاً حميماً لأبي ، وظلت الصلة بينهما إلى آخرة أيام الشيخ وحتى وفاته .  

عرفته الفحامة رجلاً ورعاً وتقياً ، وأحبه الناس ونال إعجاب البعيد والقريب ، وكانت سيرته  في الحياة مضرب المثل في  حسن المعاملة  وعلو الهمة ، ومعاونة ذوي الحاجة ، وحبه للخير .. وكان وسيماً ، جميلاً ، بشرة سمراء بلون القهوة دافئة ومحببة ، وعينين كحيلتين واسعتين وقامة ممدودة كما الرمح راسخاً بثبات .

وظل محافظاً على هندامه الأنيق وهو يضع على رأسه غترة بيضاء تحيط بها لفة صفراء ..

أمضى سنواته الأخيرة إماماً لجامع (الأزبك) بباب المعظم ، بعد أن هجر دكانه العتيد ، بسبب إنحسار  سوق العمل. فيما  لم يزل دكانه العتيد قائما  جوار أطلال مقهى عريبي التي أصابها البلى ، فأضحت  خاوية ..    

وكان الجامع آخر المحطات في  حياته ، وقد ارتحل في خريف عام 1994 .

 

 

السلام الجميل لذكرى معلمي الاجيال وقادة التنوير

 

تُرى هل بمقدور الكلمات عقب مرور ستة عقود من الزمان ، أن تفي حق أساتذتنا الأجلاء أصحاب  النفوس الكريمة والهمم العالية ؟   وهل  بوسع الصبي الهرم  أن يرّد لهم ولو جزءاً يسيراً من الوفاء لذكراهم العزيزة ؟!

 

هؤلاء الشيوخ  ؛ أصحاب الفضل ،  روّاد التنوير، شرعوا  ابواب العلم والتعلم ،  وجاهدوا بكل تفان وإخلاص  لفضّ مغاليق العقل ، لإقتلاع الأمية  وتبديد ظلمات الجهل  ،  فأعدوا  آلافاً مؤلفة  من الأجيال المتعاقبة في أربعينيات القرن العشرين  وما تلاها للانضمام إلى المدارس بعد أن زودوهم بخبرة المعرفة الأولية .

 

سلاماً عذباً لتلك النفوس النبيلة،  وتحية وفاء لذكراهم العزيزة ، بعد أن نشروا الأنوار في الأفئدة والعقول. وأضاءوا دنيا الكرخ بالكلمة المبدعة الطيبة : إقرأ .  فمنحوا الأجيال رحيق خبرتهم ، وعصارة أعمارهم ، بل وكل حياتهم ، بعد أن علمونا وبسطوا أمامنا :

 

-      آداب التلاوة .

-      قواعد الإصغاء .

-      لياقة السؤال .

 

إنهم الأساتذة المؤسسون ، والآباء المعلمون .

 

ألم يقل إمام المتقين علي بن أبي طالب في حق المعلم :

( .. من علمني حرفاً ، ملكني عبداً ، فإنْ شاء باع ، وإنْ شاء أبقى ، وإنْ شاء أطلق ، فإنه أبي في الدين ).

 

**

 

 





الاثنين٢٢ صفر ١٤٣٣ هـ   ۞۞۞  الموافق ١٦ / كانون الثاني / ٢٠١٢م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب الدكتور عبد الستار الراوي نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة